موضوع خطبة الجمعة اليوم.. مساجد مصر تتحدث عن «المهن في الإسلام طريقُ العمران والإيمان»
حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة اليوم، 23 يناير 2026 الموافق 4 شعبان 1447، بعنوان: "المهن في الإسلام طريق العمران والإيمان معا".
وأكدت وزارة الأوقاف على جميع الأئمة الالتزام بموضوع خطبة الجمعة نصًا أو مضمونًا على أقل تقدير، وألا يزيد أداء الخطبة على خمس عشرة دقيقة للخطبتين الأولى والثانية.
نص خطبة الجمعة اليوم 23 يناير 2026
المهن في الإسلام طريق العمران والإيمان معًا
الحمد لله الذي جعل عمارة الكون عبادة وسلوكًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، الذي بلغت به الصناعة والمهنة رتبة عليا ومقامًا محمودًا، فاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه صلاة تجعل الظلمة نورًا، وبعد:
فإن الدين الذي ارتضاه الله لنا ليس بمعزل عن شئون حياتنا وحرفنا، فالعمران مقصد الدين، والسعي في إتقان المهن والحرف هو عين العبادة ومشكاة القربة، فقد كان في الرعيل الأول بين يدي رسول الله ﷺ المعلم والطبيب والمترجم والمهندس والتاجر، حتى بلغت مهنهم مائتي مهنة وزيادة، وصولًا إلى تلك الشبكة الذهبية من الحرف والمهن التي نسجها الإمام تاج الدين السبكي في فضاء كتابه «معيد النعم» وكأنه يرسم بها جغرافيا الوظائف التي يقوم عليها بنيان العمران، فالتفت بعين البصيرة إلى الفلاح في حقله وهو يغرس نماء الأرض، والمهندس وهو يخط هندسة البقاء، والطبيب وهو يتحسس مواضع الألم ليطبب الأبدان والقلوب معا، ثم تراه ينفذ إلى قلب الأسواق، فيستنهض ذمم الخبازين والطباخين ليكونوا أمناء على أقوات الناس، ويستعرض مهارة الخياطين والقصارين والنساجين في حياكة ستر الأمة، ولا يغفل عن أصحاب الصنائع الدقيقة من الحدادين والنجارين والصيادلة، وصولًا إلى الحجامين والحلاقين؛ حيث جعل من كل حرفة مهما دقت أو جلت بابًا من أبواب القربى، ومرآة تعكس تجلي اسم الله البديع في حركة اليد وبراعة الصنعة، ليحول المجتمع في رؤيته إلى خلية نحل متسقة، لا تتحرك فيها إبرة خياط ولا معول بناء إلا وهي مشدودة إلى أصل من أصول الأخلاق، ومدد من مدد التوفيق الإلهي، ليتحقق بذلك مقصد الشرع الشريف في صناعة الحضارة، وبناء الإنسان، إعلاء لكلمة الله في الأرض عبر الإبداع والابتكار حيث يقول سبحانه وتعالى: ﴿هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها﴾، فالعبرة دائمًا بصدق العطاء وإحسان الصنيع، والله سبحانه لا يضيع أجر من سعى في عمارة كونه، مصداقًا لقوله جل وعلا: ﴿إنا لا نضيع أجر من أحسن عملًا﴾.
سادتي الكرام، تتجلى الأخلاق المهنية في أبهى صورها حين يتلبس المهني بروح الإيمان وجوهر الإسلام؛ فيقدم إيثار الخلق، والصدق في النصح، والترفع عن الغش والمداهنة، مستشعرًا قول الله تعالى: ﴿ولا تبخسوا الناس أشياءهم﴾، لتصير الأمانة روحًا تسري في المهن؛ فيكون التاجر أمينًا، والطبيب رحيمًا، والمعلم مخلصًا، والمهندس دقيقًا، فالحرفي صاحب الرسالة هو من تمثل قول الجناب الكريم ﷺ: «المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم»، فهذه المنظومة القيمية تحول الأسواق إلى محاضن للتراحم، حيث يستجلب الرزق بالتقوى قبل السعي، امتثالًا لقوله سبحانه: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا * ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾، فالصدق مع الناس في تفاصيل المهنة هو جوهر الدين، ومن نصح لهم فقد نال محبة الله، فقد روي عن الجناب المعظم ﷺ أنه قال: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس» وبذلك تتحقق البركة التي وعد الله بها حين قال ﷺ: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما».
إن المتأمل في جوهر الرسالة الإسلامية يجد أن أخلاقيات المهن هي الركن الركين في قضية العمران الكبرى، فالعمل المهني حين يرتوي بمعين الأخلاق، يعرج في مدارج الرقي والجمال ليقيم حركة عمرانية شاملة، تملأ الأرواح بالسكينة، وتشيد الأبنية بالمتانة، وتغمر العوالم التقنية بالبصيرة، لنترك في هذا الوجود أثرًا خالدًا، وبناء سامقًا، وجمالًا يغمر الآفاق، فإعمار الأرض يستند إلى تلاحم عبقري بين سواعد الحرفيين وعقول التقنيين، ويتكامل فيه دور المزارع مع المهندس الرقمي، لينتظم الجميع في نسق أخلاقي فريد، الذي يحقق سعادة الإنسان وينال به العبد رضا الرحمن، ومصداق هذا الرضا، يبرز بوضوح حينما نتأمل في عظمة هذا المشهد النبوي المهيب، الذي يبث فينا روح الأمل والعمل، حيث قال رسول الله ﷺ: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها»؛ ولله در القائل:
ومـن بنــى في سـبيل الله مكـرمـة … فإنـما المجـد مبني علـى الهمــم
فاغرس جمالًا وأحكم كل صالحة … تبقى الحياة بذكر الغرس في القدم
*********
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد ﷺ، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإننا إذ نرصد أحوال المهن في عصرنا، نجد أن دائرة الأمانة قد اتسعت لتربط بين مطرقة الحداد ومداد البرمجيات؛ فالصانع في ورشته ومستودعه حارس على أرواح الراكبين وسلامة آلاتهم، والخياط في مشغله مؤتمن على ستر العباد، وصانع المحتوى والمبرمج في الفضاء الرقمي مرابط على ثغور الوعي وحفظ البيانات، فالأمانة الرقمية اليوم توازي أمانة البيع والشراء؛ فالمصمم الذي يبدع جمالًا، والمبرمج الذي يحمي الخصوصية، والكاتب الذي ينشر وعيًا عبر العوالم الافتراضية، هم جميعًا صناع حضارة في ثوبها الجديد، ويتحتم على كل أصحاب تلك المهن أن يجعلوا من الإتقان ميزانًا لا يختل، ومن تجويد الصنعة أمانة لا تفرط، فالعمل بلا إتقان جسد بلا روح، وبناء يوشك أن ينهار، فالدعوة موجهة لكل ذي صنعة، بأن يجعل من تجويد العمل صلاة دائمة، مدركًا أن الله يرى حركة البنان على آفاق التبيان كما يرى ضربات الفأس في الحقل، فكل جهد يخدم الناس هو عند الله عظيم، قال رسول الله ﷺ: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه».
أيها الأكارم: إن «وثيقة القاهرة» التي انبلجت أنوارها من رحاب مؤتمر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، تعبر عن ميلاد ميثاق أخلاقي وحضاري عميق، يجسد الالتحام المقدس بين أمانة المهنة وغاية العمران الكبرى، لتمسي سواعدكم من غرس الفلاح إلى فضاء البرمجة الجسر العابر بنا نحو آفاق المستقبل، فصدور تلك الوثيقة يمثل نداء مصر للعالم بأن الإسلام لا يعرف انفصامًا بين خشوع المحراب وإتقان الحرفة، فرفعة الأوطان تبنى بعرق الجبين الذي يرى في الإتقان هوية، وفي الإحسان طريقًا، لتظل مصر دوما قلعة شامخة تعانق فيها هداية السماء عبقرية الإنسان المصري الصانع للحضارة، الباحث عن نفع الناس الذي دعا إليه القرآن الكريم في قوله سبحانه: ﴿فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾.
حفظ الله مصر وأهلها من كل مكروه وسوء















