كتب الدكتور طارق عبد العزيز فرج خبير الصراعات النووية مقالًا بعنوان:
التخوف الإسرائيلي من التمدد النووي الصيني في الشرق الأوسط ….
تحولات موازين القوة ومستقبل الردع والانتشار النووي في المنطقة
يشهد الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة تحولا استراتيجيا يتجاوز الصراع التقليدي بين إسرائيل وإيران أو التنافس بين القوى الإقليمية ويتمثل في التوسع التدريجي للحضور الصيني داخل قطاعات شديدة الحساسية وفي مقدمتها الطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية والصناعات الدفاعية والطاقة النووية
ويحظى التمدد الصيني في المجال النووي بأهمية خاصة بالنسبة لإسرائيل لأن المسألة من المنظور الإسرائيلي لا تتعلق فقط ببناء مفاعلات لإنتاج الكهرباء وإنما بمن يملك التكنولوجيا النووية ومن يتحكم في دورة الوقود النووي ومن يستطيع تخصيب اليورانيوم ومدى صرامة نظام الرقابة الدولية وما إذا كان الانتشار الواسع للبنية التحتية النووية في الشرق الأوسط يمكن أن يتحول مستقبلا إلى انتشار لقدرات نووية كامنة أو عسكرية.
وتزداد حساسية المسألة بسبب دخول الصين في تعاون نووي وتقني مع المملكة العربية السعودية بالتوازي مع علاقاتها الاستراتيجية مع إيران وعلاقاتها الاقتصادية الواسعة مع دول الخليج ومصر ودول أخرى في المنطقة
ومن هنا يمكن القول إن القلق الإسرائيلي لا ينصب على وجود “قنبلة نووية صينية في الشرق الأوسط” إذ لا تتوافر أدلة علنية موثوقة على نشر الصين أسلحة نووية في المنطقة وإنما ينصب على إمكانية قيام بكين بالمساهمة في بناء بنية نووية إقليمية أكثر استقلالا عن الولايات المتحدة والغرب.
وهذا التحول إذا استمر قد تكون له آثار بعيدة المدى على التفوق الاستراتيجي الإسرائيلي وعلى النظام الإقليمي لمنع الانتشار النووي.
– ماذا يعني التمدد النووي الصيني في الشرق الأوسط؟
عند الحديث عن التمدد النووي الصيني يجب عدم اختزاله في تصدير المفاعلات النووية فقط
فالاستراتيجية الصينية تمتلك سلسلة صناعية نووية متكاملة تشمل:
(تصميم وبناء المفاعلات النووية و
استكشاف واستخراج اليورانيوم وتقديم
الخدمات المتعلقة بدورة الوقود النووي وكذا
تدريب الكوادر البشرية وتقديم كل مايتعلق
بالتطبيقات النووية السلمية مثل
تحلية مياه البحر باستخدام الطاقة النووية و
البحوث النووية و
تطوير المفاعلات المتقدمة وأيضا
تقديم التمويل والبنية التحتية المرتبطة بالمشروعات الكبرى.
وتكشف التجربة السعودية بوضوح عن هذا المفهوم الواسع للتعاون
ففي عام 2016 تحدثت المؤسسة النووية الوطنية الصينية CNNC عن مجالات محتملة للتعاون مع السعودية تشمل البحث والتطوير النووي واستكشاف اليورانيوم واستخراجه وبناء محطات الطاقة النووية والطب النووي وتحلية مياه البحر بالطاقة النووية.
وفي مارس 2017 وقعت CNNC وهيئة المساحة الجيولوجية السعودية مذكرة تعاون في مجال موارد اليورانيوم والثوريوم تضمنت العمل على استكشاف تسع مناطق محتملة داخل المملكة
ثم أعلنت الشركة الصينية في يوليو من العام نفسه أن نحو ١٠٠ جيولوجي شاركوا في أعمال ميدانية داخل السعودية وأن عمليات المسح أسفرت عن تحديد عدد من المناطق المستهدفة لمزيد من الدراسة
وفي أغسطس 2017 وقعت الجهتان مذكرة أخرى لتعميق التعاون في مجال موارد اليورانيوم والثوريوم
كما امتد التعاون إلى أبحاث استخراج اليورانيوم من مياه البحر بين مؤسسة بحثية تابعة لـCNNC ومدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية
وبالتالي نحن أمام تعاون يتجاوز مجرد بيع مفاعل ويقترب من مفهوم بناء سلسلة نووية وطنية متكاملة
وهنا يبدأ القلق الإسرائيلي الحقيقي.
– لماذا تمثل السعودية مركز التخوف الإسرائيلي؟
تحتل السعودية مكانة مركزية في الحسابات الإسرائيلية لعدة أسباب هي:
– المملكة قوة سياسية واقتصادية كبرى في العالم العربي والإسلامي.
– لديها طموحات معلنة لبناء برنامج نووي مدني واسع.
– أعلنت الرياض رغبتها في الاستفادة من موارد اليورانيوم المحلية وتطوير أجزاء من دورة الوقود النووي.
وقد أعلن وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان في 2023 أن المملكة تسعى إلى تطوير دورة الوقود النووي بما يشمل إنتاج الكعكة الصفراء واليورانيوم منخفض التخصيب وتصنيع الوقود النووي ،
لكن العامل الأكثر حساسية بالنسبة لإسرائيل يتمثل في الربط السياسي بين البرنامج السعودي والبرنامج الإيراني
فقد أعلن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في 2018 أن المملكة ستسعى إلى امتلاك قنبلة إذا طورت إيران قنبلة نووية
ولا يعني هذا أن السعودية اتخذت قرارا ببناء سلاح نووي فلا توجد أدلة علنية تثبت أنها انتهكت التزاماتها بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية أو أنها تمتلك حاليًا قدرة لإنتاج المواد الانشطارية اللازمة للسلاح
لكن من المنظور الاستراتيجي الإسرائيلي فإن الجمع بين:
(الطموح النووي السعودي و إمكانية التخصيب و الخبرة الصينية و القدرات الصاروخية و المنافسة الإيرانية
يشكل معادلة تحتاج إلى مراقبة شديدة).
– القلق الإسرائيلي لم يعد افتراضيا.
أصبحت المخاوف الإسرائيلية من الانتشار النووي الإقليمي أكثر وضوحا خلال عام 2026
فقد أثار الاتفاق النووي المدني الأمريكي السعودي الذي أُعلن عنه في يوليو 2026 جدلا واسعا داخل إسرائيل خصوصا بسبب قضية تخصيب اليورانيوم
وحذر رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت من أن تخصيب اليورانيوم داخل السعودية يمكن أن يؤدي إلى سباق نووي إقليمي بينما ذهب وزير الدفاع الإسرائيلي السابق أفيغدور ليبرمان إلى التحذير من أن البرنامج المدني السعودي قد ينتهي بقدرات عسكرية ويؤدي إلى سباق تسلح واسع في الشرق الأوسط ،
كما أشار بيني غانتس وزير الدفاع الإسرائيلي السابق إلى خطورة إدخال قدرات نووية مدنية متقدمة إلى السعودية بعيدا عن إطار تحالف إقليمي أوسع ترتبط به إسرائيل
وتكشف هذه التصريحات نقطة شديدة الأهمية وهي أن
إسرائيل لا تخشى الصين وحدها وإنما تخشى تغير قواعد الانتشار النووي في الشرق الأوسط
والصين تمثل بالنسبة إليها عاملا يمكن أن يسرع هذا التغيير.
– لماذا الصين أكثر إثارة للقلق الإسرائيلي من المورد الأمريكي؟
تفضل إسرائيل تقليديا أن تحصل دول المنطقة على التكنولوجيا العسكرية والنووية الحساسة من الولايات المتحدة والدول الغربية
والسبب ليس بالضرورة تفوق التكنولوجيا الغربية فقط وإنما لأن واشنطن تستطيع فرض شروط سياسية وأمنية صارمة على نقل التكنولوجيا ،
وتخضع اتفاقيات التعاون النووي الأمريكية لما يعرف باتفاقيات القسم 123 من قانون الطاقة الذرية الأمريكي
وفي بعض الحالات يمكن أن تتضمن هذه الاتفاقيات قيودا قوية على تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود المستهلك.
وتعتبر الاتفاقية الأمريكية مع الإمارات نموذجا بارزا إذ قبلت أبوظبي قيودا شديدة على التخصيب وإعادة المعالجة فيما أصبح يعرف بـ”المعيار الذهبي”.
لكن المشكلة بالنسبة لإسرائيل وواشنطن هي أن دول المنطقة لم تعد تعتمد على المورد الأمريكي وحده.
فالسعودية على سبيل المثال تستطيع المفاضلة بين موردين دوليين مختلفين من بينهم الولايات المتحدة والصين وروسيا وفرنسا وكوريا الجنوبية.
وتشير المعلومات المنشورة حول خطط المفاعلات السعودية إلى أن CNNC الصينية من بين الجهات التي تنافس على المشروعات السعودية إلى جانب شركات روسية وفرنسية وكورية جنوبية
وهذا يمنح الرياض مساحة تفاوضية أكبر
فإذا قالت واشنطن:
“سنقدم لكم المفاعلات بشرط عدم التخصيب”
قد يصبح الرد:
“لدينا موردون آخرون”.
وهنا تتحول الصين من مجرد منافس تجاري إلى ورقة استراتيجية في التفاوض حول قواعد النظام النووي في الشرق الأوسط.
– دورة الوقود هي قلب المشكلة:
لا يمثل المفاعل النووي في حد ذاته أكبر مصادر القلق الإسرائيلي
حيث أن المشكلة الأساسية هي دورة الوقود النووي
فالبرنامج النووي المدني يمكن أن يتكون من عدة مراحل:
(استخراج خام اليورانيوم
و إنتاج مركزات اليورانيوم “الكعكة الصفراء”و
تحويل اليورانيوم ثم
تخصيب اليورانيوم
ثم تصنيع الوقود
واستخدامه داخل المفاعل
ثم إدارة الوقود المستهلك.
وتكمن الحساسية الكبرى في مرحلتي:
التخصيب وإعادة المعالجة
لأن التكنولوجيا المستخدمة لإنتاج اليورانيوم منخفض التخصيب لأغراض مدنية يمكن إذا تغيرت الظروف السياسية والتقنية وتم تجاوز القيود والرقابة أن تكون أساسا لإنتاج يورانيوم أعلى تخصيبا.
ولهذا لا تنظر إسرائيل إلى امتلاك دولة عربية مفاعلا نوويا بالطريقة نفسها التي تنظر بها إلى امتلاكها قدرة تخصيب محلية.
– من إيران إلى السعودية…
( تغير العقيدة الإسرائيلية
طوال العقود الماضية) حيث تمحورت العقيدة الإسرائيليه تجاه الانتشار النووي حول منع ظهور قوة نووية عسكرية معادية في المنطقة
وظهرت هذه العقيدة بصورة واضحة في الهجوم على مفاعل أوزاريك العراقي عام 1981
كما ضربت إسرائيل منشأة في دير الزور السورية عام 2007 قالت إنها كانت مفاعلا نوويا قيد الإنشاء.
وخلال السنوات التالية أصبحت إيران محور القلق النووي الإسرائيلي
لكن البيئة الاستراتيجية الحالية أكثر تعقيدا
فالمشكلة لم تعد مقتصرة على:
(إيران مقابل إسرائيل)
بل يمكن أن تتحول إلى:
(إيران –
السعودية-
تركيا –
دول عربية أخرى-
موردين دوليين مثل الصين وروسيا والولايات المتحدة)
وهنا يصبح منع الانتشار أصعب كثيرا.
– الصين وإيران… (البعد الثاني للمخاوف):
العلاقة الصينية الإيرانية تضيف بعدا آخر إلى القلق الإسرائيلي
فالصين من أهم القوى الكبرى التي حافظت على علاقات سياسية واقتصادية مع طهران كما أن بكين تنظر إلى إيران باعتبارها دولة مهمة في معادلات الطاقة والجغرافيا السياسية الآسيوية ومبادرة الحزام والطريق
لكن من الضروري التمييز بين دعم الصين لإيران سياسيا واقتصاديا وبين القول إنها تريد إيران مسلحة نوويا ،
فبكين رسميا تدعم نظام عدم الانتشار وتعلن تأييد الحلول الدبلوماسية للملف النووي الإيراني
إلا أن إسرائيل تنظر إلى العلاقة من زاوية مختلفة:
(ماذا يحدث إذا أصبحت الصين القوة الكبرى التي تمتلك علاقات وثيقة في الوقت نفسه مع:
إيران
والسعودية
ودول الخليج
ومصر
ودول عربية أخرى؟
في هذه الحالة يمكن أن تتحول الصين إلى لاعب يصعب تجاهله في أي نظام أمني إقليمي جديد).
– (المعضلة الإسرائيلية الكبرى هي فقدان الاحتكار النووي الإقليمي)
تتبنى إسرائيل سياسة “الغموض النووي” فهي لا تؤكد رسميا امتلاكها أسلحة نووية ولا تنفي ذلك
لكنها تعتبر على نطاق واسع القوة النووية العسكرية الوحيدة في الشرق الأوسط
وقد وفر هذا الوضع لإسرائيل لعقود مستوى استثنائيا من الردع الاستراتيجي
ولذلك فإن أسوأ السيناريوهات من منظور الأمن القومي الإسرائيلي ليس بالضرورة امتلاك دولة أخرى مفاعلا لإنتاج الكهرباء وإنما ظهور عدة دول علي العتبة النووية
(ودولة العتبة النووية هي الدولة التي لا تمتلك بالضرورة قنبلة جاهزة لكنها تمتلك المعرفة والمنشآت والمواد والبنية الصناعية التي قد تقلص الزمن المطلوب للوصول إلى قدرة عسكرية إذا اتخذ القرار السياسي بذلك).
وهذا أخطر على إسرائيل من انتشار المفاعلات المدنية التقليدية.
– (العامل الصاروخي يزيد القلق)
يتضاعف القلق الإسرائيلي بسبب وجود تاريخ من التعاون الصاروخي بين الصين والسعودية
فالسعودية اشترت في الماضي صواريخ باليستية صينية من طراز DF-3 كما أشارت تقييمات وتحليلات مفتوحة المصدر إلى تعاون صيني لاحق في مجال القدرات الصاروخية السعودية
ومن المهم هنا عدم الخلط بين شيئين
(فامتلاك صاروخ قادر تقنيا على حمل رأس نووي لا يعني امتلاك رأس نووي).
لكن التخطيط الاستراتيجي يقوم على جمع القدرات المختلفة
فإذا امتلكت دولة مستقبلا
قدرة نووية متقدمة تشمل
(دورة وقود –
تخصيب –
قاعدة علمية –
صواريخ باليستية بعيدة المدى) ،
فإن الصورة الاستراتيجية تختلف جذريا عن دولة تمتلك مفاعلا مدنيا فقط.
ولهذا تنظر إسرائيل إلى العلاقة الصينية–السعودية من منظور أوسع من مجرد بناء محطة كهرباء.
– (الصين ومبادرة الحزام والطريق النووي):
يمكن النظر إلى التوسع النووي الصيني باعتباره جزءا من استراتيجية أكبر لتصدير التكنولوجيا والبنية التحتية الصينية عالميا
فمشروعات الطاقة النووية تتميز عن مشروعات البنية الأساسية العادية بأنها تخلق علاقات تستمر لعقود
فالمفاعل النووي قد يعمل ستين عامًا أو أكثر
وخلال هذه الفترة تحتاج الدولة المستوردة إلى:
الوقود
والصيانة
وقطع الغيار
والتدريب
والتحديث
والرقابة التقنية
وإدارة النفايات
والخدمات الهندسية ،
وبالتالي فإن الدولة التي تبني المفاعل قد تكتسب نفوذا استراتيجيا طويل الأجل
ولهذا فإن حصول الصين على عقود نووية واسعة في الشرق الأوسط لا يعني فقط أرباحا اقتصادية وإنما قد يؤدي إلى تثبيت حضور صيني استراتيجي لعشرات السنين.
– (التخوف من تراجع النفوذ الأمريكي)
هذه ربما تكون إحدى أخطر النقاط بالنسبة لإسرائيل
فالأمن الإسرائيلي يرتبط تاريخيا بعلاقة استراتيجية استثنائية مع الولايات المتحدة
والنظام الإقليمي الذي كانت تتحرك داخله إسرائيل طوال العقود الماضية كان نظاما تلعب فيه واشنطن الدور الخارجي الأكبر
لكن صعود الصين يطرح احتمال ظهور نظام أكثر تعددية.
الصين لا تحتاج إلى استبدال الولايات المتحدة بالكامل حتى تصبح مصدر قلق
يكفي أن تصبح بديلا موثوقا في قطاعات حساسة
فعندما تعرف دولة في الشرق الأوسط أنها تستطيع اللجوء إلى الصين إذا رفضت واشنطن تزويدها بتكنولوجيا معينة فإن القوة التفاوضية الأمريكية تتراجع
ومعها تتراجع بصورة غير مباشرة قدرة إسرائيل على التأثير في شروط نقل التكنولوجيا إلى دول المنطقة.
– (الاتفاق الأمريكي–السعودي والمفارقة الصينية)
شهد عام 2026 تطورا شديد الأهمية عندما تقدمت واشنطن والرياض نحو اتفاق للتعاون النووي المدني
لكن المفارقة أن أحد الدوافع الأمريكية للاستمرار في التعاون مع السعودية يتمثل في منع الصين من احتلال المساحة النووية السعودية ،
وتشير تحليلات أمريكية إلى أن التشدد المفرط في الشروط الأمريكية يمكن أن يدفع الرياض نحو بكين التي تمتلك أساسا سابقا من التعاون مع السعودية في استكشاف اليورانيوم والمجالات النووية
وبذلك تواجه إسرائيل معضلة:
(إذا وافقت واشنطن على برنامج سعودي واسع يتضمن قدرات تخصيب فقد تظهر مخاطر انتشار
وإذا رفضت واشنطن فقد تتجه السعودية بصورة أكبر نحو الصين)
أي أن إسرائيل تجد نفسها بين خيارين كلاهما يحمل مخاطر.
– السيناريو الأول (احتواء التمدد الصيني)
في هذا السيناريو تنجح الولايات المتحدة في الحفاظ على موقعها بوصفها الشريك النووي الرئيسي لدول الخليج
ويتم ذلك من خلال:
(تقديم مفاعلات متقدمة
وتوفير ضمانات أمنية
وتسهيل التمويل
وفرض رقابة قوية
ووضع قيود واضحة على التخصيب وإعادة المعالجة)
هذا السيناريو هو الأكثر راحة لإسرائيل لأنه يبقي البرامج النووية الإقليمية داخل منظومة تستطيع واشنطن مراقبتها والتأثير فيها.
السيناريو الثاني (شراكة سعودية صينية واسعة)
وهو السيناريو الأكثر إثارة للقلق الإسرائيلي
فإذا فشلت المفاوضات السعودية الأمريكية أو أصبحت شروطها غير مقبولة للرياض قد توسع المملكة تعاونها مع الصين
وفي هذه الحالة يمكن أن يتطور التعاون من:
(استكشاف اليورانيوم
إلى:
المفاعلات
والتدريب
والوقود
والبنية الصناعية النووية) ،
ولا يعني ذلك بالضرورة إنتاج أسلحة نووية
لكن إسرائيل قد تعتبر أن انتقال البرنامج السعودي إلى مظلة صينية يقلل من قدرة واشنطن على فرض شروط عدم الانتشار.
– السيناريو الثالث ( سباق الدول النووية الكامنة)
وهو أخطر السيناريوهات على المدى البعيد
فإذا احتفظت إيران بقدرة نووية متقدمة وطورت السعودية دورة وقود وتخصيبا محليا فقد تبدأ دول أخرى في السؤال:
(لماذا لا نمتلك القدرة نفسها؟)
وقد تظهر هذه المناقشة في دول إقليمية أخرى خاصة القوى الكبيرة التي لا تريد أن تجد نفسها متأخرة استراتيجيا
وعندها لن يكون الشرق الأوسط أمام سباق لصناعة القنابل فورا وإنما أمام سباق لبناء القدرة على صنعها مستقبلا
وهذا يسمى أحيانا:
Nuclear Hedging (التحوط النووي)
وهذا السيناريو شديد الخطورة لأن كل دولة ستبرر برنامجها بأنه رد فعل على الدولة الأخرى.
إيران تقول إنها تحتاج قدراتها بسبب التهديدات و
السعودية تقول إنها تحتاج قدرة مماثلة بسبب إيران و
دولة ثالثة تقول إنها تحتاج القدرة بسبب إيران والسعودية
وهكذا تتشكل سلسلة انتشار يصعب وقفها.
– ماذا يعني ذلك
للردع الإسرائيلي؟
إذا ظهر شرق أوسط يضم عدة دول علي العتبة النووية فسوف تتغير قواعد الردع
فإسرائيل اعتادت امتلاك تفوق نوعي واضح
لكنها في بيئة متعددة القدرات النووية ستضطر إلى حساب ردود أفعال عدة أطراف في وقت واحد
وسيصبح أي صراع تقليدي مرتبطا بسؤال أكبر:
(هل يمكن أن يؤدي الضغط العسكري على دولة على العتبة النووية إلى دفعها نحو قرار تصنيع السلاح النووي؟)
وهنا يصبح العمل العسكري الوقائي أكثر خطورة.
– معضلة (عقيدة بيغن):
ارتبطت السياسة الإسرائيلية تاريخيا بما يسمى ب “عقيدة بيغن” التي تقوم في جوهرها على منع الخصوم الإقليميين من الحصول على أسلحة نووية
لكن تطبيق هذه الفكرة في بيئة نووية جديدة سيكون أصعب
فمن الممكن عسكريًا التفكير في استهداف منشأة منفردة
لكن ماذا يحدث عندما تمتلك عدة دول:
مناجم يورانيوم
ومعامل تحويل
ومراكز أبحاث
ومنشآت تخصيب
ومفاعلات
ومراكز تصنيع وقود
ومعرفة بشرية موزعة؟
في هذه الحالة يصبح القضاء على “القدرة النووية” أكثر تعقيدا لأن المعرفة نفسها لا يمكن قصفها
وهذه نقطة استراتيجية بالغة الأهمية.
– هل الصين تريد سباق تسلح نوويا في الشرق الأوسط؟
الإجابة الأقرب إلى الواقع هي: لا توجد أدلة موثوقة تثبت أن الصين تريد تسليح الشرق الأوسط نوويا
فللصين مصالح كبيرة في الاستقرار الإقليمي
والمنطقة مصدر رئيسي للطاقة بالنسبة لها
وأي حرب نووية أو سباق تسلح غير منضبط سيهدد:
إمدادات النفط
والتجارة
والمواني
ومبادرة الحزام والطريق
والاستثمارات الصينية
وبالتالي من الخطأ تصوير الاستراتيجية الصينية باعتبارها خطة لنشر القنابل النووية
والأكثر دقة أنها تسعى إلى توسيع صادراتها ونفوذها النووي المدني والتكنولوجي ،
لكن المشكلة الإسرائيلية هي أن النتيجة الاستراتيجية لهذا التوسع قد تختلف عن النوايا الصينية
فحتى البرنامج المدني يمكن أن ينتج معرفة وبنية تحتية وقدرات ذات طبيعة مزدوجة الاستخدام إذا شمل مراحل حساسة من دورة الوقود.
– (موقف الوكالة الدولية للطاقة الذرية)
تمثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية عنصرا رئيسيا في هذه المعادلة
فالسعودية دولة طرف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية ولديها اتفاق ضمانات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية
وتبين سجلات الوكالة أن اتفاق الضمانات السعودي المرتبط بمعاهدة عدم الانتشار دخل حيز التنفيذ في يناير 2009
لكن النقاش الدولي لا يدور فقط حول وجود اتفاق ضمانات من عدمه
والسؤال الأهم هو:
(ما مدى قوة نظام التفتيش والتحقق؟)
وهنا تظهر أهمية البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي يمنح الوكالة أدوات تحقق أوسع مقارنة باتفاق الضمانات التقليدي
ولهذا ترتبط المخاوف من أي توسع مستقبلي في دورة الوقود السعودي بضرورة وجود نظام رقابي قوي يتناسب مع حجم البرنامج.
– (التنافس الأمريكي–الصيني هو الإطار الأكبر
في النهاية):
لا يمكن فصل الملف النووي الشرق أوسطي عن المنافسة الاستراتيجية العالمية بين الولايات المتحدة والصين ،
فواشنطن تريد الاحتفاظ بمكانتها باعتبارها القوة الخارجية الأكثر تأثيرا في الشرق الأوسط
وبكين تريد توسيع حضورها الاقتصادي والتكنولوجي والسياسي ،
والطاقة النووية واحدة من أكثر الأدوات تأثيرا لأنها تربط المورد بالدولة المستوردة لعقود
وبالنسبة لإسرائيل فإن المشكلة هي أن الشرق الأوسط الذي تكون فيه واشنطن اللاعب الخارجي المهيمن أسهل استراتيجيا من شرق أوسط تتوزع فيه مراكز النفوذ بين:
الولايات المتحدة
والصين
وروسيا
والقوى الإقليمية.
– (هل يمكن أن تظهر مظلة نووية صينية في الشرق الأوسط؟)
يجب التمييز بين النفوذ النووي الصيني والمظلة النووية الصينية
فالمظلة النووية تعني أن تتعهد دولة نووية بالدفاع عن دولة أخرى باستخدام قوة الردع النووي عند الضرورة
ولا توجد حتى الآن مؤشرات علنية موثوقة على إنشاء الصين مظلة ردع نووي لدول الشرق الأوسط على غرار المظلة النووية الأمريكية لبعض حلفائها ،
لكن مجرد انتقال العلاقات الصينية الخليجية من الاقتصاد إلى قطاعات استراتيجية مثل التكنولوجيا النووية والصواريخ والذكاء الاصطناعي والاتصالات والدفاع يمكن أن يثير تساؤلات إسرائيلية حول الشكل الذي ستصل إليه هذه العلاقات بعد عشرين أو ثلاثين عاما.
– (البعد الاقتصادي لا يقل أهمية
والمنافسة النووية ليست أمنية فقط):
هناك سوق ضخمة محتملة لبناء المفاعلات في الشرق الأوسط و
الدول الخليجية تريد تنويع مصادر الطاقة
كما تحتاج إلى كميات هائلة من الكهرباء لتحلية المياه والصناعات الجديدة ومراكز البيانات ،
والطاقة النووية تقدم مصدرا مستمرا للكهرباء منخفضة الكربون ،
لذلك فإن دخول الصين بقوة إلى هذا السوق يمكن أن يمنحها:
عقودا بمليارات الدولارات
ونفوذا طويل الأمد
وعلاقات مؤسسية مع الحكومات
وتدريب آلاف المتخصصين
ووجودا تقنيا مستمرا ،
وكل هذا يعزز القوة الناعمة والاستراتيجية الصينية.
– هل تستطيع إسرائيل منع هذا التمدد؟
إسرائيل لا تستطيع بمفردها منع الصين من التعاون النووي المدني مع دول المنطقة
لكنها تستطيع العمل على عدة مستويات:
ـ الضغط على الولايات المتحدة للحفاظ على وجودها في سوق الطاقة النووية الشرق أوسطي.
ـ مطالبة واشنطن بوضع ضمانات قوية لمنع الانتشار.
ـ تعزيز التعاون الاستخباراتي لمراقبة المنشآت الحساسة.
ـ التركيز على أي أنشطة مرتبطة بالتخصيب أو إعادة المعالجة
ـ متابعة التعاون الصاروخي بالتوازي مع البرنامج النووي.
ـ تعزيز العلاقات السياسية مع دول الخليج لمنع تحول البرامج المدنية إلى مصدر تهديد.
ومن هنا يصبح التطبيع والعلاقات الإقليمية جزءا من المعادلة النووية نفسها.
– (معادلة إسرائيل الصعبة):
يمكن تلخيص المعضلة الإسرائيلية في المعادلة التالية:
(إيران النووية المتقدمة ـ
السعودية النووية الطموحة ـ
الصين كمورد بديل ـ
روسيا كمورد آخر ـ
تراجع الاحتكار الأمريكي للتكنولوجيا)
= (بيئة نووية شرق أوسطية جديدة).
إن المشكلة بالنسبة لإسرائيل ليست أن كل هذه الدول ستنتج أسلحة نووية
المشكلة أن زمن الوصول إلى القدرة النووية العسكرية المحتملة يمكن أن يتقلص إذا انتشرت تقنيات دورة الوقود الحساسة.
– (من الاحتكار النووي إلى التوازن النووي؟)
يمكن أن يكون هذا هو التحول التاريخي الأكبر
فمنذ عقود تعمل إسرائيل في بيئة يعتقد على نطاق واسع أنها تحتفظ فيها بالقدرة النووية العسكرية الإقليمية الوحيدة ،
لكن التوسع في البرامج النووية المدنية والتقنيات الحساسة قد يقود مستقبلا إلى بيئة مختلفة:
ليس بالضرورة “شرق أوسط نووي مسلح”
وإنما:
شرق أوسط متعدد القدرات النووية الكامنة
والفارق بين الاثنين كبير ،
لكنه بالنسبة إلى الاستراتيجية الإسرائيلية يظل تحولا خطيرا.
– (التداعيات المحتملة على مصر وتركيا)
إذا نشأ تنافس نووي بين إيران والسعودية فسوف تواجه القوى الإقليمية الكبرى سؤالا استراتيجيا:
(هل تقبل بوجود تفاوت طويل المدى في القدرات النووية والتكنولوجية؟)
وهنا قد تزداد أهمية البرامج النووية المدنية في مصر وتركيا وغيرها
لكن يجب التشديد على أن امتلاك برنامج نووي مدني لا يعني وجود توجه عسكري
بل إن الانتشار الواسع للطاقة النووية يمكن أن يتم بصورة آمنة ومستقرة إذا صاحبه نظام قوي من الضمانات والشفافية وعدم الانتشار.
إن المشكلة تبدأ عندما تنتقل المنافسة من:
من يملك مفاعلا؟
إلى:
من يملك دورة الوقود والتخصيب والقدرة على الاقتراب من العتبة النووية؟
– (الخطر الحقيقي من وجهة النظر الإسرائيلية):
يمكن تحديد مصادر التخوف الإسرائيلي من التمدد النووي الصيني في سبعة محاور رئيسية:
1ـ تراجع السيطرة الأمريكية على سوق التكنولوجيا النووية في الشرق الأوسط.
2 ـ إمكانية حصول السعودية ودول أخرى على بدائل للمورد الأمريكي.
3 ـ انتقال التعاون من المفاعلات إلى أجزاء من دورة الوقود النووي.
4 ـ تداخل القدرات النووية المدنية مع القدرات الصاروخية المتنامية.
5 ـ احتمال ظهور دول عتبة نووية جديدة.
6 ـ صعوبة تطبيق استراتيجية الضربات الوقائية في بيئة نووية موزعة ومتعددة الأطراف.
7 ـ تراجع التفوق الاستراتيجي الإسرائيلي النسبي إذا تحولت المنطقة إلى نظام متعدد القدرات النووية.

