علق الدكتور طارق عبد العزيز خبير الصراعات النووية على التجربة الإيرانية التي تفرض على سوريا سؤالا مشروعا حول حدود الشفافية النووية وضمان سرية المعلومات: كيف تتعاون دمشق بالكامل مع الوكالة لإغلاق ملفها القديم وفي الوقت نفسه تضمن ألا تتحول التفاصيل الفنية الحساسة التي تنتج عن عمليات التفتيش إلى عنصر في البيئة الاستخباراتية المحيطة بالصراع السوري–الإسرائيلي؟
وهنا يصبح الموضوع أكثر خطورة لأن سوريا تختلف عن إيران.
إسرائيل سبق أن قصفت المنشأة السورية نفسها في 6 سبتمبر 2007.
والآن بعد نحو 19 عاما عاد المفتشون والحفريات والتحاليل والموقع النووي الثاني إلى الواجهة.
إذن لدى سوريا سبب إضافي للحذر ولكن الحل ليس منع الوكالة لأن ذلك قد يعيدها إلى أزمة عدم الامتثال.
الحل الأكثر ذكاء هو
(التعاون الكامل والمطالبة الصارمة بحماية معلومات الضمانات و توثيق كل ما يسلم للوكالة و تطبيق إجراءات أمن المعلومات و الفصل بين المعلومات اللازمة للتحقق والمعلومات الأمنية غير المطلوبة و المطالبة بضمانات مؤسسية واضحة للسرية).
وسردا لهذا التحليل أبدأ
سؤالي في هذا المقال … لماذا عاد الملف النووي السوري على الساحة الآن؟
بعد نحو 19 عاما من الغارة الإسرائيلية التي دمرت منشأة دير الزور في سبتمبر 2007 عاد الملف النووي السوري فجأة إلى مقدمة الملفات النووية الدولية ،
لكن عودته في أغسطس 2026 مختلف جذريا عن الماضي
فالمسألة لم تعد مجرد سؤال تاريخي( هل كانت المنشأة التي قصفتها إسرائيل مفاعلا نوويا سريا؟)
بل أصبحت هناك ثلاثة أسئلة أكبر
ـ أولا ( أين توجد المواد النووية التي خلفها النظام السابق؟)
-ثانيا (ما طبيعتها وكمياتها؟)
ـ ثالثا( هل تستطيع سوريا إغلاق ملف عدم الامتثال القديم مع الوكالة الدولية ثم الانتقال إلى برنامج نووي سلمي جديد؟
التطور الحاسم وقع في 17 يوليو 2026 عندما أعلنت سوريا للوكالة الدولية للطاقة الذرية وجود مادة نووية في موقع لم يكن قد أُعلن عنه سابقا
ثم زار المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل جروسي سوريا يومي 17 و 18 أغسطس 2026 وزار دير الزور كما زار الموقع الثاني المرتبط بالمواد النووية المكتشفة حديثا ، والبيان المشترك وصف ذلك بأنه أهم تقدم حتى الآن في معالجة قضايا الضمانات السورية العالقة
وهذا يعني أن 2026 قد تكون السنة التي يحسم فيها أحد أقدم الملفات النووية المعلقة في الشرق الأوسط.
– ( سوريا قبل دير الزور هل كان لديها أصلا برنامج نووي؟
من الضروري التمييز منذ البداية بين ثلاثة أشياء
(برنامج نووي سلمي معلن — أنشطة نووية غير معلنة — برنامج أسلحة نووية) و
هذه ليست شيئا واحدا
فسوريا عضو في الوكالة الدولية للطاقة الذرية منذ 6 يونيو 1963 وهي طرف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية N PT واتفاق الضمانات بينها وبين الوكالة والذي دخل حيز التنفيذ عام 1992 ،
وبالتالي كان لسوريا برنامج نووي معلن ومحدود قبل أزمة دير الزور ،
وأبرز عناصره مفاعل مصدر النيوترونات المصغر MNSR قرب دمشق
(وهو مفاعل بحثي صغير وليس مفاعل قدرة لإنتاج الكهرباء) ،
وهذه نقطة أساسية لأن مجرد وجود مفاعل بحثي أو مواد نووية في دولة ما لا يعني وجود برنامج أسلحة نووية.
المشكلة بدأت عندما ظهرت مؤشرات على أن هناك أنشطة ومواقع لم تكن ضمن الصورة المعلنة للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
– (ليلة 6 سبتمبر 2007)
كانت نقطة التحول ففي هذا اليوم نفذت إسرائيل عملية جوية داخل الأراضي السورية استهدفت منشأة في منطقة دير الزور ،
المنشأة أصبحت تعرف في المصادر الدولية بإسم ( دير الزور)
كما ارتبطت (بإسم الكبر)
تلك المنطقه التي لم تتعامل معها إسرائيل باعتبارها محطة كهرباء أو مركز أبحاث تقليدي وإنما باعتبارها منشأة نووية سرية قيد الإنشاء ،
(فالغارة الإسرائيلية سبقت تحقيق الوكالة الدولية للطاقة الذرية
وهذه المسألة أثارت اعتراض المدير العام للوكالة آنذاك محمد البرادعي الذي قال إن اللجوء إلى القوة حدث قبل منح الوكالة الدولية للطاقة الذرية فرصة للتحقق من الحقائق ،
وفي المعلومات المقدمة إلى الوكالة في 2008 قيل إن المنشأة كانت مفاعلا نوويا لم يكن قد دخل التشغيل بعد ولم تكن المواد النووية قد أدخلت إليه
وهذه نقطة شديدة الأهمية في تقييم خطورة المنشأة وقت ضربها.
– ماذا كان يعتقد أن يحتوي دير الزور ؟).
وفق المعلومات والتحليلات التي درستها الوكالة الدولية للطاقة الذرية لاحقا كان الاشتباه في أن المبنى عبارة عن مفاعل نووي غير معلن ،
والقضية لم تكن مجرد شكل المبنى ،
الوكالة جمعت معلومات من عدة مصادر من بينها
(صور الأقمار الصناعية ، معلومات الدول الأعضاء ، عينات بيئية ، معلومات المشتريات ، وتحليل تصميم المنشأة
وبمرور الوقت أصبحت قناعة الوكالة أقوى
وفي النهاية وصلت إلى استنتاج شديد الأهمية وهو
(أن المبنى الذي دمر في دير الزور كان على الأرجح بدرجة كبيرة مفاعلا نوويا كان يتعين على سوريا الإعلان عنه ،
وهذه العبارة مهمة جدا لأنها لغة الوكالة القانونية والفنية
فالوكالة لم تقل
«ثبت أن سوريا كانت تصنع قنبلة نووية»
بل قالت إن المبنى كان على الأرجح بدرجة كبيرة مفاعلا كان ينبغي الإعلان عنه
والفرق كبير جداً.
– (لماذا أثار المفاعل كل هذا القلق؟)
لأن السؤال لا يتعلق بالمفاعل وحده وإنما بنمط المفاعل والغرض المحتمل منه و
إذا كان المفاعل من النوع الذي اشتبهت فيه الجهات الغربية فإن الاهتمام لا يكون فقط بالحرارة أو الكهرباء بل أيضا بما يمكن أن ينتج داخل الوقود أثناء التشغيل ،
فالمفاعلات التي تستخدم وقود اليورانيوم يمكن أن تنتج البلوتونيوم داخل الوقود المستهلك نتيجة التفاعلات النووية ،
لكن وجود البلوتونيوم داخل الوقود المستهلك لا يعني امتلاك مادة جاهزة للسلاح.
للوصول إلى البلوتونيوم وفصله يلزم وجود قدرة على إعادة معالجة الوقود المستهلك ،
وهنا يظهر السؤال الذي ظل شديد الحساسية وهو
هل لو كان دير الزور مفاعلا فعلا فأين كانت منشأة إعادة المعالجة المفترضة؟).
عدم العثور علنا على منظومة إعادة معالجة مكتملة كان أحد الأجزاء المهمة في لغز البرنامج السوري.
– (من أكثر أجزاء القضية إثارة للجدل مسألة العلاقة بين سوريا وكوريا الشمالية)
حيث ظهرت اتهامات ومعلومات استخباراتية غربية تؤكد أن تصميم المنشأة السورية يحمل أوجه تشابه مع مفاعل يونغبيون الكوري الشمالي
وهنا أصبح الملف السوري جزءا من قضية أكبر وهي (
الانتشار النووي عبر نقل التكنولوجيا بين الدول)
فلو ثبت نقل تكنولوجيا مفاعل حساسة من دولة تمتلك برنامج أسلحة نووية إلى دولة أخرى فإن القضية تتجاوز سوريا نفسها إلى مستقبل نظام عدم الانتشار الدول ،
لكن يجب مرة أخرى الفصل بين
(المعلومات الاستخباراتية الأمريكية والإسرائيلية وبين الاستنتاج القانوني للوكالة الدولية)
فالوكالة ركزت أساسا على السؤال الذي يدخل في اختصاصها وهو
(هل كانت هناك منشأة نووية يجب إعلانها؟)
والإجابة التي توصلت إليها الوكالة في 2011 كانت( نعم و على الأرجح بدرجة كبيرة).
– (اليورانيوم الذي قلب التحقيق)
من أهم الأدلة الفنية التي ظهرت أثناء التحقيق هي العثور على جسيمات من اليورانيوم الطبيعي ذات منشأ بشري
والوكالة أشارت إلى وجود عدد مهم من هذه الجسيمات في دير الزور ،
وظهرت كذلك قضية أخرى مرتبطة بمفاعل MNSR قرب دمشق وهو (مفاعل مصدر النيوترونات المصغر
وهو مفاعل نووي بحثي صغير جدا لا يستخدم أساسا لإنتاج الكهرباء وإنما لإنتاج النيوترونات لأغراض مثل البحوث العلمية والتحليل بالتنشيط النيوتروني والتعليم والتدريب
حيث وجدت الوكالة جسيمات يورانيوم طبيعي معالجة بشريا
لكن الوكالة تمكنت لاحقا من معالجة قضية MNSR ضمن تنفيذ الضمانات الروتيني
وهذا يوضح شيئا مهما وهو
(ليس كل اكتشاف لجسيمات يورانيوم دليلا على برنامج سلاح نووي
فالتحليل النظائري والكيميائي ومكان العثور على المادة والسجل التشغيلي كلها عناصر ضرورية لتحديد دلالتها.
•(2008–2011 كانت المواجهة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية)
فبعد بدء التحقيق طالبت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالحصول على معلومات ووثائق والوصول إلى مواقع مرتبطة بدير الزور
وكانت هناك أيضا ثلاثة مواقع أخرى اشتبه في ارتباطها الوظيفي بدير الزور.
بحلول عام 2010 كانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقول إن سوريا لم تتعاون منذ 2008 بالشكل المطلوب لحسم القضايا المتعلقة بدير الزور والمواقع الثلاثة الأخرى
وهنا تحولت القضية من
تحقيق فني في مبنى دمرته إسرائيل
إلى
نزاع ضمانات بين سوريا والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
•(9 يونيو 2011 هذا هو التاريخ القانوني الأهم)
في هذا التاريخ
أصدر مجلس محافظي الوكالة القرار:
GOV/2011/41
والقرار اعتبر أن إنشاء سوريا غير المعلن لمفاعل في دير الزور وعدم تقديم معلومات التصميم يشكلان خرقا لالتزاماتها بموجب اتفاق الضمانات واعتبر ذلك عدم امتثال
وقرر المجلس إحالة عدم الامتثال إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة
وهذه ليست مجرد إدانة سياسية
في النظام الدولي للضمانات النووية ، فوصف دولة بأنها في حالة عدم امتثال لاتفاق الضمانات خطوة قانونية وسياسية كبيرة للغاية.
•(ما علاقة Code 3.1 بالقضية؟).
القرار تحدث عن Code 3.1( وهو من الترتيبات الفرعية لاتفاق الضمانات و يتعلق
بصورة مبسطة بتقديم معلومات التصميم الخاصة بالمنشآت النووية إلى الوكالة) ،
فالمشكلة لم تكن فقط أن الوكالة لم تعرف بوجود المنشأة
بل إن وجود مفاعل غير معلن يعني أن آليات الضمانات التي يفترض أن تسمح للوكالة بمعرفة التصميم والمواد والأنشطة التي لم تعمل كما ينبغي بسبب عدم الإعلان
لذلك أصبحت القضية اختبارا لمبدأ أساسي وهو
(هل تستطيع الوكالة الدولية للطاقة الذرية اكتشاف برنامج أو منشأة لم تعلن عنها الدولة أصلا؟
* (لماذا أصبح البروتوكول الإضافي مهما؟).
قرار 2011 دعا سوريا إلى توقيع البروتوكول الإضافي وتطبيقه بالكامل
وهنا ندخل إلى أحد أهم مفاهيم نظام عدم الانتشار وهو
(اتفاق الضمانات الشاملة والذي يركز على التحقق من المواد والأنشطة التي يتعين الإعلان عنها ،
أما البروتوكول الإضافي فيعطي الوكالة أدوات ومعلومات وحقوق وصول أوسع تساعدها على البحث عن الأنشطة والمواد النووية غير المعلنة
ولذلك فإن القضية السورية تعد مثالا لسبب ظهور البروتوكول الإضافي أصلا كأداة لتعزيز قدرة الوكالة على اكتشاف النشاط غير المعلن.
* (الحرب السورية جمدت اللغز لكنها لم تغلقه)
بعد عام 2011 دخلت سوريا في حرب طويلة
أصبحت الأولوية الدولية مختلفة جذريا
لكن الملف النووي لم يغلق قانونيا حيث
ظلت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقول لسنوات إن تقييمها لم يتغير وإن دير الزور كان على الأرجح مفاعلا كان يجب الإعلان عنه وإن هناك مسائل لم تحل ،
وهذه نقطة جوهرية
فمرور الزمن لا يلغي ملف الضمانات ،
يمكن أن تمر 10 أو 15 أو 20 سنة ولكن إذا ظلت هناك مواد أو أنشطة غير مفسرة فإن السؤال يبقى قائما.
* (ديسمبر 2024 غير المعادلة).
التغيير السياسي في سوريا في ديسمبر 2024 فتح نافذة جديدة
فالسلطات الجديدة اتخذت مسارا مختلفا في التعامل مع الوكالة وأصبح هناك استعدادا أكبر لإتاحة المواقع والمعلومات
وهذا مهم استراتيجيا لأن الحكومة الجديدة ورثت مشكلة ولم تبدأها هي
وبالتالي أصبح أمامها خياران
(إما أن تدافع عن الماضي أو أن تكشفه وتغلقه).
إن المؤشرات الحالية تشير بوضوح إلى اختيار المسار الثاني
فالبيان السوري–الدولي الصادر في 18 أغسطس 2026 وصف قضايا الضمانات بأنها مرتبطة بـأنشطة النظام السابق وربط حلها بالمسار الوطني الجديد منذ ديسمبر 2024.
* (المفاجأة الأولى — عينات (2024
في 2024 أخذ مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية عينات بيئية من ثلاثة مواقع مرتبطة بتحقيقاتها
ثم جاءت النتيجة
في 4 يونيو 2025 حيث قدمت الوكالة إلى سوريا نتائج التحليل وكانت كالاتي:
(في أحد المواقع الثلاثة وجد عدد مهم من جسيمات اليورانيوم الطبيعي ذات المنشأ البشري
والأكثر أهمية أن تحليل بعض الجسيمات كان متسقا مع عملية
تحويل مركز خام اليورانيوم إلى أكسيد اليورانيوم
وهذه معلومة فنية بالغة الأهمية.
* (ماذا يعني تحويل خام اليورانيوم؟).
دورة الوقود النووي تبدأ من التعدين
حيث يتم استخراج الخام وتتم معالجته لإنتاج مركز خام اليورانيوم الذي يعرف شائعا باسم (الكعكة الصفراء)
ثم تأتي عمليات التحويل الكيميائي
ويمكن حسب المسار المطلوب تحويل المواد إلى مركبات مختلفة تدخل لاحقا في تصنيع الوقود أو مراحل أخرى من دورة الوقود
لذلك فإن العثور على جسيمات تتفق خصائصها مع عمليات تحويل مركز الخام إلى أكسيد اليورانيوم يطرح سؤالا مهما
(هل كان هناك نشاط سوري غير معلن متعلق بالمراحل المبكرة لدورة الوقود؟) ،
لكنه لا يثبت بمفرده وجود تخصيب
وهذا تمييز شديد الأهمية
فالتحويل لا يعني التخصيب
ولا يجوز إعلاميا أو علميا القفز من العثور على آثار تحويل اليورانيوم إلى القول إن سوريا كانت تخصب اليورانيوم.
* (5 يونيو 2025 فتح الموقع
بعد إبلاغ سوريا بالنتائج في 4 يونيو)
حيث سمحت السلطات السورية في 5 يونيو 2025 للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالوصول إلى الموقع لمساعدتها على فهم الأنشطة السابقة المتعلقة بدورة الوقود النووي
وقالت السلطات السورية الحالية إنها لا تمتلك معلومات تفسر وجود تلك الجسيمات
معللة ذلك بأنها تتعامل مع أنشطة قد تعود إلى نظام سابق ووثائق وأفراد وبنية ربما اختفى جزء كبير منها أثناء سنوات الحرب
ومن هنا تصبح الآثار النووية نفسها شاهدا تاريخيا.
* (لماذا العينات البيئية بهذه القوة؟).
يمكن تنظيف المنشأة
ويمكن إزالة المعدات
ويمكن هدم المبنى
ويمكن نقل المواد
لكن إزالة كل أثر مجهري لنشاط نووي سابق صعب للغاية
فالمفتش يستطيع أخذ مسحات من الأسطح أو البيئة المحيطة
ثم تحلل في مختبرات شديدة الحساسية
ويمكن لجسيمات مجهرية أن تكشف
نوع اليورانيوم وتركيب النظائر وهل المادة طبيعية أم مخصبة وأحيانا معلومات عن العمليات الكيميائية التي مرت بها
لذا يمكن القول
في التحقيق النووي( ذرة مجهرية قد تكون أقوى من ألف وثيقة سياسية).
•(17 يوليو (2026
في 17 يوليو 2026ابلغت سوريا الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن مواد نووية موجودة في موقع لم يكن قد أعلن عنه سابقا
والأهم أن الإعلان وفق البيان المشترك جاء بمبادرة سورية و
هذه نقطة تغير طبيعة العلاقة
فبدل من أن تقول الوكالة
«لدينا معلومات عن موقع أخفيتموه» ،
أصبحت السلطات السورية تقول
«وجدنا مادة ونبلغكم بها ونسمح لكم بالتحقق منها.»
ومن منظور الضمانات الفرق هائل.
* (17–18 أغسطس 2026)
في هذا التاريخ دخل رافائيل جروسي الموقع
بعد شهر تقريبا
وشملت مكانين:
الموقع الاول(دير الزور)
والموقع الثاني (المرتبط بالمادة النووية التي اكتشفتها سوريا حديثا)
وفي دير الزور شاهد جروسي أعمال الحفر الجارية واطلع على معالم مرتبطة بتقييم الوكالة للأنشطة النووية السابقة ،
وهنا نحن أمام شيء غير عادي
فبعد قرابة عقدين من قصف المنشأة يعاد فتح الأرض نفسها بحثا عن الأدلة.
•( ما المادة النووية المكتشفة؟).
هذه النقطة تتطلب أقصى درجات الحذر ،
(حتى يوم 20 أغسطس 2026 لا توجد معلومات علنية كافية تسمح بأن نقول إن المادة:
يورانيوم مخصب أو بلوتونيوم أو وقود مفاعل سابق أو مادة مرتبطة ببرنامج أسلحة).
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني قال إن المادة المكتشفة ليست خطرة وإنها ستبقى في الحيازة السورية وتخضع لضمانات الوكالة وإن سوريا تحتفظ بحق استخدامها للأغراض المدنية والسلمية
إذن ماتم وجوده حاليا هو:
«مواد نووية قيد التوصيف والتحقق الدولي»
وليس
«مواد لصناعة قنبلة».
* (مستويات يجب ألا نخلط بينها)
ـ المستوى الأول ( المؤكد)
هو اعلان سوريا عن مواد نووية في موقع غير معلن سابقا
والوكالة وصلت إلى الموقع وزار
جروسي( دير الزور والموقع الثاني) و
هناك أعمال حفر
والتحقق مستمر.
ـ المستوى الثاني
(استنتاج الوكالة التاريخي)
فمنشأة دير الزور التي دمرت عام 2007 كانت على الأرجح بدرجة كبيرة مفاعلا نوويا غير معلن.
ـ المستوى الثالث
( غير المثبت حتى الآن)
وهو أن سوريا كانت تمتلك سلاحا نوويا
أو أنها أنتجت بلوتونيوم لاستخدامه في السلاح النووي
أو أن المواد الجديدة هي مواد صالحة مباشرة لسلاح نووي.
•( هل كان يمكن لدير الزور إنتاج بلوتونيوم؟).
نظريا إذا كان الموقع بالفعل مفاعلا من النوع الذي اشتبهت فيه الجهات الدولية ودخل التشغيل وأدخل الوقود وعمل فترة كافية فإن الوقود كان سيحتوي على بلوتونيوم ناتج عن التشعيع
لكن ذلك لا يكفي
يلزم بعد ذلك
إخراج الوقود ثم تبريده ثم نقله ثم إعادة معالجته كيميائيا لفصل البلوتونيوم
ولذلك كان أحد أهم الأسئلة التي لم تحسم
(أين كانت البنية التحتية المرتبطة بدورة الوقود؟).
وهنا تزداد أهمية التحقيقات الحالية في المواقع الأخرى.
•( لماذا الموقع الثاني أهم مما يبدو؟).
إذا نظرنا إلى دير الزور وحده فلدينا موقع معروف منذ 2007
لكن ظهور مادة نووية في موقع آخر غير معلن سابقا فهذا يعيد فتح السؤال عن الشبكة وليس المنشأة
فالبرنامج النووي لا يتكون من مفاعل فقط
فهو يحتاج إلى
مخازن و معامل و منشآت معالجة و تصنيع وقود و إدارة نفايات و نقل مواد ومرافق دعم
ولهذا كانت الوكالة مهتمة تاريخيا بمواقع أخرى يشتبه في ارتباطها الوظيفي بدير الزور.
إذن السؤال الصحيح ليس
«ماذا كان داخل دير الزور؟»
بل
«ما حجم البنية النووية التي كانت تحيط بدير الزور؟».
•(لماذا إسرائيل تتابع هذا الملف بدقة؟).
من المنظور الاستراتيجي الإسرائيلي هناك عقيدة أمنية تاريخية تقوم على منع ظهور قدرة نووية عسكرية لدى خصوم إقليميين
(في العراق عام 1981 تم تدمير مفاعل اوزاريك العراقي)
وفي( سوريا عام 2007 تم تدمير مفاعل دير الزور)
و(الملف الإيراني في العقود التالية) ،
لذلك فإن أي محاولة سورية مستقبلية لبناء برنامج نووي ستخضع لمراقبة إسرائيلية شديدة
لكن هناك فرق جوهري هذه المرة
إذا أنشأت سوريا مستقبلا برنامجا نوويا سلميا معلنا بالكامل وخاضعا لضمانات الوكالة فسيكون الوضع القانوني والسياسي مختلفا جذريا عن منشأة سرية غير معلنة.
•(هل تستطيع سوريا إنشاء محطة نووية مستقبلا؟).
من الناحية القانونية (نعم) من حيث المبدأ ،
ومعاهدة لعدم الانتشار النوويNPT لا تحظر الاستخدام السلمي للطاقة النووية على الدول غير الحائزة للسلاح النووي
بل تعترف بحق الاستخدام السلمي مع الالتزام بعدم الانتشار والضمانات
لكن من الناحية العملية سوريا تحتاج قبل التفكير في محطة قدرة كبيرة إلى
استقرار سياسي وأمني طويل الأجل و بنية تشريعية مستقلة هيئة رقابية نووية قوية و شبكة كهرباء قادرة على استيعاب الوحدة و تمويل بعشرات المليارات في حالة البرنامج الكبير وإعداد كوادر بشرية و نظام طوارئ و إدارة نفايات ووقود مستهلك وأهم من ذلك كله هو
إعادة بناء الثقة الدولية.
•(هل يمكن أن تستخدم سوريا SMR – (المفاعل النووي المعياري الصغير أو المفاعلات النووية المعيارية الصغيرة و
قدرته أقل من المفاعلات النووية التقليدية وعادة تصل قدرة الوحدة إلى نحو 300 ميجاوات كهربائي أو أقل
ـ بدلا من محطة ضخمة؟
هذا احتمال يستحق الدراسة على المدى الطويل
فالمفاعلات المعيارية الصغيرة SMRs يمكن أن تكون أكثر ملاءمة لبعض الشبكات الكهربائية الأصغر من مفاعل قدرة ضخم
لكن سوريا ليست الآن عند مرحلة اختيار نوع المفاعل
قبل ذلك توجد مرحلة أهم وهي
إغلاق ملف الضمانات القديم
ثم بناء البنية القانونية والرقابية
ثم تقييم احتياجات الكهرباء
ثم اختيار التكنولوجيا
وأي حديث عن مفاعل سوري جديد الآن يجب اعتباره سيناريو طويل المدى وليس مشروعا قائما.
•( ماذا سيحدث للمادة المكتشفة؟).
المسار المتوقع فنيا يتكون من عدة خطوات
أولا: (تحديد المادة)
ثانيا: (تحديد الكمية)
ثالثا: (قياس التركيب النظائري)
رابعا: ( تحديد أصلها وتاريخها المحتمل)
خامسا: (مقارنة النتائج بالسجلات والمعلومات السابقة)
سادسا: ( إدخال المادة ضمن نظام الضمانات إذا كان ذلك مطلوبا)
سابعا: ( تحديد ما إذا كانت مرتبطة بالأنشطة القديمة موضع التحقيق أم لا.
وهنا قد تظهر إجابات لم تكن متاحة طوال ال 19 عاما الماضية.
•( ماذا سيفعل مجلس محافظي الوكالة؟).
البيان الصادر في 18 أغسطس مهم للغاية
حيث اتفقتا سوريا والوكالة الدولية للطاقة الذرية على خطوات عملية لمعالجة المسائل العالقة
وبعد استكمال عمليات التفتيش والتحقق سيقدم جروسي نتائجه واستنتاجاته إلى مجلس المحافظين في أقرب وقت ممكن بهدف أن ينظر المجلس في القضية في دورة مقبلة والعمل نحو حل كامل للمسائل العالقة.
إذن المرحلة القادمة ستكون
(تقنية أولا ثم سياسية وقانونية.)
حيث سيحدد المفتشون الحقائق و
يقدم جروسي التقرير الى مجلس المحافظين
ثم يقرر مجلس المحافظين
كيفية التعامل مع الملف.
وهنا توجد 4سيناريوهات مختلفه :
السيناريو الأول — (الإغلاق الكامل)
تتعاون سوريا بصورة كاملة
وتفسر المواد
وتعلن جميع المواقع و
لا تظهر أنشطة إضافية مثيرة للقلق ،
وبذلك يعتبر مجلس المحافظين أن المسائل العالقة عولجت و
هذا أفضل سيناريو لسوريا.
السيناريو الثاني — (ظهور شبكة أوسع)
تكشف العينات والحفريات عن مواقع أو مواد إضافية
وهنا قد يستغرق التحقيق سنوات أخرى
لكن حتى هذا السيناريو لا يعني تلقائيا برنامج أسلحة بل يعني أن حجم الأنشطة السابقة كان أكبر مما كان معروفا.
السيناريو الثالث —( العثور على مواد ذات دلالة انشطارية أكبر)
إذا ظهرت افتراضيا مواد مخصبة أو آثار تشير إلى مراحل أكثر تقدما من دورة الوقود فسيتغير مستوى القضية جذريا.
السيناريو الرابع — (إغلاق الماضي وبدء برنامج سلمي جديد)
وهذا أراه السيناريو الأكثر إثارة استراتيجيا
وهنا تقول سوريا
لقد ورثنا الملف القديم و
كشفناه
وأدخلنا المواد تحت الضمانات
ثم نريد التعاون مع الوكالة في
الطب النووي و علاج السرطان و في الزراعة والمياه و النظائر المشعة وربما الطاقة النووية مستقبلا.
إن البيان المشترك الصادر في 18 أغسطس يتحدث بالفعل عن توسيع التعاون في الاستخدامات السلمية للعلوم والتكنولوجيا النووية لخدمة أولويات التنمية السورية.
أرى أن خطورة التطور السوري ليست في كمية المادة المكتشفة وحدها
الأهم هو المعلومة التي يمكن أن تحملها المادة
في التحقيقات النووية فالمادة ليست مجرد كيلوجرامات
إنها سجل
(فتركيبها الكيميائي والنظائري) قد يساعد في الإجابة عن:
من أين جاءت؟
متى عولجت؟
في أي مرحلة من دورة الوقود كانت؟
وهل تتوافق مع الروايات والوثائق الموجودة؟
ولذلك فإن التحقيق الذي يجري في سوريا اليوم يشبه إلى حد كبير الطب الشرعي النووي لبرنامج مضى عليه نحو عقدين.
لا ينبغي أن يكون القلق اليوم من أن سوريا تمتلك قنبلة نووية فلا توجد أدلة معلنة تثبت ذلك ،
القلق الحقيقي هو أن تجد سوريا نفسها مرة أخرى داخل المثلث الأخطر في الشرق الأوسط (الوكالة الدولية للطاقة الذرية و الحسابات الأمريكية والقرار العسكري الإسرائيلي).
دمشق تفعل الآن ما يفترض أن تفعله أي دولة تريد إغلاق ملف نووي قديم( تكشف المواد وتفتح المواقع وتسمح بالتفتيش وتضع ما يتم التحقق منه تحت نظام الضمانات الدولية ، لكن تاريخ المنطقة يعلمنا أن الملفات النووية لا تبقى دائما ملفات فنية ود وأن تقريرا يبدأ داخل مختبر أو اجتماع لمجلس محافظي الوكالة يمكن أن يتحول في ظروف الصراع إلى أزمة سياسية وأمنية أكبر.
ومن هنا يجب أن تكون سوريا شديدة الحذر لا من التعاون مع الوكالة وإنما من كيفية إدارة المعلومات النووية الحساسة الناتجة عن هذا التعاون وعليها أن تطالب بأقصى ضمانات السرية التي تكفلها قواعد الوكالة وأن توثق كل مادة وكل معلومة وكل موقع يقدم للمفتشين وفي الوقت نفسه أن تواصل الشفافية الكاملة حتى لا تمنح أي طرف ذريعة للقول إن دمشق تعود إلى إخفاء نشاط نووي.
والخطر الأكبر سيظهر إذا كشفت الحفريات الحالية عن مفاجأة لم تكن في الحسابات (مواد أكثر حساسية أو منشآت أخرى غير معلنة أو أدلة على أن دير الزور لم يكن مشروعا منفردا بل جزءا من شبكة أوسع لدورة الوقود النووي ، عندها قد ينتقل الملف سريعا من أيدي الفنيين إلى طاولات أجهزة الاستخبارات وغرف اتخاذ القرار.
سوريا تعرف جيدا معنى ذلك فمنشأة دير الزور نفسها لم تنتظر نهاية المسار الدبلوماسي بل دمرتها إسرائيل في سبتمبر 2007 ولهذا فإن عودة الملف نفسه بعد تسعة عشر عاما تفرض سؤالا لا يجوز التعامل معه بخفة( هل تستطيع سوريا أن تغلق ماضيها النووي قبل أن يتحول اكتشاف هذا الماضي إلى مبرر لأزمة جديدة؟
المطلوب ألا يتكرر المسار الذي شهدته المنطقة بأشكال مختلفة في العراق وإيران وليس معنى ذلك أن السيناريوهات الثلاثة متطابقة فهي ليست كذلك وإنما أن الشرق الأوسط أثبت مرارا أن الشكوك النووية عندما تتقاطع مع المعلومات الاستخباراتية وانعدام الثقة والقرار العسكري يمكن أن تنتقل بسرعة خطيرة من التفتيش إلى الاتهام ومن الاتهام إلى التهديد ومن التهديد إلى القوة
ولهذا فإنني أنظر بقلق إلى الأشهر المقبلة في سوريا
ليس خوفا من الذرة السورية في حد ذاتها بل خوفا من السياسة التي قد تبنى حولها
فسوريا التي تحاول اليوم الخروج من سنوات الحرب وإعادة بناء مؤسساتها لا تحتاج إلى أن تتحول مواقع نووية تعود إلى الماضي إلى جبهة صراع جديدة والمصلحة السورية تقتضي أن تنتهي أعمال الوكالة إلى نتيجة واضحة وموثقة تتمثل في (حصر المواد و تفسير مصدرها وإخضاعها للضمانات و حسم المواقع القديمة ثم إغلاق ملف عدم الامتثال بصورة قانونية أمام مجلس المحافظين
لأن السيناريو الأفضل لسوريا هو أن تكون 2026 سنة إغلاق ملف دير الزور لا سنة ولادة ملف نووي سوري جديد.
ويبقى السؤال الذي سيحدد كل شيء:
هل تنجح دمشق في تحويل الشفافية النووية إلى درع يحميها أم تتحول المعلومات التي تظهر من تحت أرض دير الزور إلى بداية أزمة لم تكن سوريا الجديدة تريدها؟
إنها لحظة تحتاج إلى شفافية بلا سذاجة وتعاون بلا تفريط ورقابة دولية لا تتحول إلى مدخل لتسييس الملف لأن آخر ما تحتاجه سوريا الآن هو أن تخرج أسرار الماضي من تحت الأرض لتصبح وقودا لحرب في المستقبل.

