علق الدكتور طارق عبد العزيز خبير الصراعات النووية، على ما يحدث حول المشروع النووي والمصري، وكتب مقالًا بعنوان حين تتحول الملاحظة الهندسية إلى خبر نووي.. ماذا يحدث فعلا داخل الضبعة؟
في المشروعات النووية توجد قاعدة أعتبرها نقطة البداية لفهم كل ما أثير مؤخرا حول محطة الضبعة:
لا تسألني كم ملاحظة ظهرت أثناء البناء؟ بل اسألني ماذا فعلت المنظومة عندما ظهرت الملاحظة؟.
هذه القاعدة وحدها تضع الجدل الذي أثارته بوليتيكو في مكانه الصحيح
لأن الجمهور عندما يسمع في جملة واحدة كلمات مثل «خرسانة» و«مخالفات» و«محطة نووية» فمن الطبيعي أن يتصور أن الحديث يدور عن خطر يهدد المفاعل
لكن لغة الهندسة النووية مختلفة عن لغة العناوين الصحفية
فالمعلومة التي تبدو مثيرة إعلاميا قد تكون من الناحية الفنية جزءا من إجراءات ضبط الجودة التي صُممت أصلا لاكتشاف المشكلات قبل أن تصبح جزءا من المنشأة.
نحن لا نبني عمارة.. نحن نبني منشأة ستعمل لعقود
فالضبعة مشروع استثنائي في تاريخ قطاع الطاقة المصري..
أربع وحدات نووية كل منها بقدرة تقارب 1200 ميجاوات أي نحو 4800 ميجاوات للمحطة كاملة.
وهذه الأرقام لا تشرح وحدها حجم المشروع
فخلف كل وحدة توجد كميات هائلة من الأعمال المدنية والميكانيكية والكهربائية وشبكات وأنظمة ومعدات ووثائق واختبارات وعمليات تفتيش ومراجعة.
وفي مشروع بهذا التعقيد فإن فكرة عدم ظهور أي ملاحظة طوال سنوات الإنشاء ليست هي المعيار الذي تقاس به الجودة
فالجودة الحقيقية تظهر في قدرة المشروع على اكتشاف الانحراف عن المتطلبات قبل أن يصبح أمرا واقعا داخل المنشأة.
في النووي.. (الورقة التي تسجل الخطأ جزء من الأمان)
وهنا نصل إلى نقطة أرى أنها لم تشرح للرأي العام بما يكفي.
عندما يكتشف المفتش أو مهندس الجودة أن عملا معينا لا يتفق مع المتطلبات المحددة له فإن المسألة لا يفترض أن تعالج باتفاق شفهي بين مهندسين في الموقع
فهناك إجراءات للتوثيق والتقييم والتصحيح والتحقق.
ومن الأدوات المعروفة في أنظمة الجودة ما يسمى تقرير عدم المطابقة – NCR.
وجود مثل هذا التقرير يعني ببساطة أن شيئا ما لم يطابق المتطلبات المحددة وبالتالي أصبح مطلوبا تحديد كيفية التعامل معه قبل إغلاق الحالة.
وهنا تحدث المفارقة:
فالوثيقة التي قد تبدو أمام غير المتخصص دليلا على وجود مشكلة يمكن أن تكون أمام مهندس الجودة دليلا على أن المشكلة لم تمر من دون اكتشاف.
وهذا فارق جوهري.
إذن هل نقول إن المخالفات غير مهمة؟
بالطبع لا…
في المنشأة النووية لا توجد مخالفة تستحق التجاهل لمجرد أنها حدثت أثناء البناء و
إذا كانت هناك مشكلة خرسانية يجب تقييمها
وإذا كان هناك قصور في التنفيذ يجب تحديد أسبابه
وإذا كانت هناك مخالفة لإجراءات العمل يجب التعامل معها
وإذا تكرر الخطأ يصبح السؤال أكبر من الواقعة نفسها: لماذا يتكرر؟ وهل توجد مشكلة في الإدارة أو التدريب أو الإشراف أو ثقافة الجودة؟
إذن المطلوب ليس التهوين
لكن المطلوب أيضا ألا نقفز من «وجدت ملاحظة» إلى «المحطة غير آمنة».
بين العبارتين سلسلة كاملة من الإجراءات الهندسية يجب فحصها قبل إصدار الحكم.
الخرسانة مثال واضح على المشكلة
لنأخذ الحديث عن العيوب الخرسانية مثالا ،
الخرسانة داخل مشروع نووي تخضع لمتطلبات واختبارات وضوابط تختلف في حساسيتها بحسب المنشأ ووظيفته وتصنيفه
فإذا ظهرت ملاحظة في عملية صب أو في نتيجة اختبار أو في جزء منفذ فإن السؤال العلمي ليس فقط:
هل حدث عيب؟
بل يجب أن نعرف:
أين حدث؟
ما طبيعته؟
ما أهمية العنصر الذي ظهر فيه؟
هل يؤثر على الوظيفة المطلوبة منه؟
ما الإجراء الهندسي الذي اتخذ؟
هل تم الإصلاح؟
ومن اعتمد المعالجة؟
وما نتيجة الفحص اللاحق؟
من دون هذه المعلومات يصبح إطلاق حكم شامل على سلامة محطة نووية من مجرد كلمة «عيب خرساني» أمرا غير دقيق.
وما لفت انتباهي أكثر هو مصدر بعض الملاحظات
إذا كانت الجهة المصرية المسؤولة عن المشروع هي التي ترصد أوجه القصور وتخاطب المقاول بشأنها فهذه الحقيقة يجب ألا تمر سريعا.
لأنها تعني أن العلاقة ليست:
مقاول ينفذ ومصر تنتظر ،
بل هناك طرف مصري يتابع ويعترض ويطالب بالتصحيح
وهذا تحديدًا ما نريده في مشروع بهذه الحساسية.
مصر لا تشتري أربع وحدات جاهزة يتم إنزالها من سفينة ثم تشغيلها ،
هناك عملية إنشاء طويلة وكل مرحلة منها تحتاج إلى توثيق وفحص وقبول
ولذلك فإن صرامة صاحب المشروع مع المقاول ليست أزمة في حد ذاتها
الأزمة ستكون إذا اختفت هذه الصرامة ،
لا ينبغي أن ندافع عن المقاول أصلا
وأريد أن أكون واضحا هنا
فالقضية بالنسبة لي ليست الدفاع عن شركة روسية
(المقاول) أيا كانت جنسيته موجود لتنفيذ عقد وفق مواصفات ومتطلبات محددة
إذا التزم تقبل أعماله
إذا لم يلتزم ترفض الأعمال أو تعالج طبقا للإجراءات المعتمدة.
المعيار ليس روسيا ولا أي دولة أخرى
المعيار هو سلامة المشروع المصري
لأن من سيعيش بجوار المحطة مصريون ومن سيشغلها مصريون والكهرباء ستدخل الشبكة المصرية والدولة المصرية هي التي ستتحمل مسؤوليتها لعشرات السنين
إذن لا مكان للمجاملة.
هناك أيضا خلط بين ثلاثة أنواع مختلفة من القضايا
جزء من الجدل حدث لأن كلمة «السلامة» تستخدم أحيانا بمعنى واحد بينما الواقع أكثر تعقيدا ،
قد تكون لدينا مخالفة تتعلق بالسلامة المهنية للعاملين في الموقع
وقد تكون لدينا حالة عدم مطابقة في عملية إنشاء
وقد تكون لدينا قضية مرتبطة مباشرة بوظيفة أمان نووي
هذه ليست درجة واحدة من المخاطر ،
فجميعها تستحق المعالجة لكن لا يجوز وضعها جميعا في سلة واحدة ثم تقديمها للجمهور باعتبارها «مشكلات أمان نووي».
التصنيف هنا مهم جدا.
وهناك سؤال أهم من كل ما سبق
بدلا من السؤال:
كم مخالفة ظهرت؟
أفضل أن أسأل:
كم مخالفة ما زالت مفتوحة دون معالجة؟
وهل توجد حالة مؤثرة على السلامة سمح باستمرار العمل رغم عدم حلها؟
وهل جرى قبول أعمال لا تستوفي المتطلبات؟
هذه النوعية من المعلومات هي التي يمكن أن تغير التقييم الفني للمشروع ،
أما عدد الملاحظات منفردا فلا يقدم الصورة الكاملة.
فمشروع شديد الصرامة في التفتيش قد ينتج عددا كبيرا من التقارير لأنه يبحث عن التفاصيل الصغيرة ويسجلها.
بينما مشروع ضعيف الرقابة قد يبدو على الورق وكأنه يملك مشكلات أقل ببساطة لأنه لم يبحث عنها بالقدر نفسه.
ولهذا فإن الأرقام تحتاج دائما إلى سياق ،
ومن يراقب من؟
يجب أيضا أن يفهم الجمهور أن هناك أكثر من مستوى للمسؤولية.
هناك المقاول الذي ينفذ
وهناك هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء بصفتها صاحبة المشروع
وهناك هيئة الرقابة النووية والإشعاعية التي تمثل الجهة الرقابية الوطنية
والفصل بين صاحب المشروع والجهة الرقابية مسألة شديدة الأهمية
فلا يكفي أن يقول صاحب المشروع إن أعماله جيدة.
المشروع النووي يقوم على منظومة من المتطلبات والتراخيص والرقابة والتفتيش والاختبارات
وكلما كانت هذه المنظومة أكثر استقلالا وصرامة ازدادت الثقة في النتيجة النهائية
لذلك لم يزعجني ظهور الملاحظات بقدر ما يهمني مصيرها
إذا قيل لي إن هناك عشرات الملاحظات واكتُشفت جميعها وصنفت وعولجت وأعيد فحص الأعمال قبل اعتمادها فهذه صورة
أما إذا قيل إن هناك ملاحظة واحدة مؤثرة على الأمان تم تجاهلها وسمح للعمل بالاستمرار رغمها فهذه صورة مختلفة تماما.
في النووي خطورة الملاحظة أهم من عدد الملاحظات
وهذه قاعدة يجب أن تكون حاضرة في أي نقاش إعلامي عن الضبعة ،
هل كان ينبغي نشر ما أثير؟
بالتأكيد من حق الصحافة أن تحقق وتسأل وتنشر ما تصل إليه من معلومات وفق قواعد العمل المهني
بل إنني أرى أن المشروعات النووية لا يجب أن تخاف من الأسئلة الصعبة
لكن المسؤولية الإعلامية تصبح أكبر عندما يتعلق الأمر بمجال يستطيع فيه عنوان واحد أن يصنع خوفا واسعا لدى الجمهور ،
فعندما نقول «مخالفة نووية» يجب أن نحدد: هل هي بالفعل مخالفة ذات صلة بالأمان النووي؟ أم مخالفة إنشائية؟ أم إدارية؟ أم مهنية؟
الدقة هنا ليست ترفا لغويا
الدقة نفسها جزء من مسؤولية الإعلام النووي
وماذا يجب أن يحدث الآن؟
أرى أن أفضل طريقة لحماية الثقة في مشروع الضبعة ليست الدخول في معركة طويلة مع كل تقرير صحفي.
الحل الأقوى هو المعلومة الفنية المنتظمة
اشرحوا للناس ما هو الـNCR ،
اشرحوا كيف يتم فحص الخرسانة ،
اشرحوا من يملك سلطة رفض العمل ،
اشرحوا متى تغلق حالة عدم المطابقة ،
اشرحوا الفرق بين سلامة العامل وأمان المفاعل ،
وأعلنوا بصورة دورية مراحل المشروع وما تم إنجازه ،
كل معلومة صحيحة تنشرها المؤسسات المختصة تسحب مساحة من الشائعة ،
الشفافية هنا ليست عبئا على المشروع ،
هناك تصور قديم يقول إن قلة المعلومات تحمي المشروعات الحساسة
في رأيي في عصر الإعلام الرقمي يحدث العكس
فغياب المعلومة الرسمية يخلق فراغا
والفراغ المعلوماتي لا يستمر طويلا و سيملؤه الآخرون بتفسيراتهم.
ومشروع بحجم الضبعة يحتاج إلى استراتيجية اتصال توازي أهميته الهندسية ،
ليس المطلوب كشف معلومات تمس الأمن أو التفاصيل الحساسة
المطلوب أن يعرف المواطن كيف تعمل منظومة الأمان والرقابة والجودة
لأن المواطن عندما يفهم النظام يصبح أكثر قدرة على التمييز بين الملاحظة الفنية والخطر النووي.
الضبعة يجب أن تحاسب بمعايير الضبعة
وفي النهاية لا أريد مشروعا يتم الدفاع عنه لأنه مشروع قومي
أريد مشروعا لا يحتاج إلى الدفاع العاطفي عنه أصلا لأن أرقامه واختباراته ووثائقه ونظامه الرقابي تتحدث عنه
هذه هي القوة الحقيقية.
إذا أخطأ المقاول نحاسبه ،
إذا ظهرت مشكلة نعلن كيفية التعامل معها بالقدر الذي تسمح به قواعد المشروع ،
إذا ثبت قصور نعالجه.
وإذا كانت المعلومات المنشورة غير دقيقة نرد عليها بالدليل.
فالنووي مجال لا يحتمل المبالغة في اتجاهين:
لا التهويل مقبول ولا التهوين مقبول.

