كتب الدكتور طارق عبد العزيز فرج خبير الصراعات النووية مقالًا عن تداعيات إغلاق باب المندب (العالم العربي والخليج وأوروبا والاقتصاد العالمي في خطر).. ويقول؛
باب المندب ليس مجرد مضيق يفصل اليمن عن القرن الأفريقي وإنما هو البوابة الجنوبية للبحر الأحمر ….
السفينة القادمة من المحيط الهندي أو بحر العرب والمتجهة إلى قناة السويس وأوروبا تمر عادة من خليج عدن ثم باب المندب ثم البحر الأحمر فقناة السويس والبحر المتوسط
ولهذا يمكن النظر إلى (باب المندب–البحر الأحمر–قناة السويس) باعتبارها سلسلة استراتيجية واحدة إذا تعطلت الحلقة الجنوبية عند باب المندب تتراجع تلقائيا أهمية الطريق البحري الذي يصل إلى قناة السويس حتى إذا بقيت القناة نفسها مفتوحة وآمنة تماما.
وتوضح بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية حجم أهميته ، فقد مر عبر باب المندب نحو 9.3 ملايين برميل يوميا من النفط والمنتجات البترولية في 2023 قبل أن ينخفض الرقم إلى 4.1 ملايين في 2024 ونحو 4.2 ملايين في النصف الأول من 2025 مع اضطرابات البحر الأحمر.
وهذا يعني أن العالم لديه بالفعل تجربة مصغرة لما قد يحدث إذا أصبح المضيق غير قابل للاستخدام
– ماذا يعني «إغلاق باب المندب» عمليا؟
هناك فارق مهم بين ثلاثة مستويات:
المستوى الأول (التهديد) :
يصدر تهديد بمنع سفن دولة معينة أو السفن المرتبطة بها فتستمر غالبية الملاحة ولكن ترتفع المخاطر والتأمين.
المستوى الثاني (الإغلاق الفعلي):
لا يحتاج الحوثيون أو أي طرف إلى وضع حاجز مادي عبر المضيق يكفي أن تصبح احتمالات إصابة السفن مرتفعة لدرجة تدفع شركات الشحن وشركات التأمين إلى اعتبار المرور غير مقبول
وهذا أخطر اقتصاديا لأن المضيق يكون مفتوحا على الخريطة لكنه مغلقا تجاريا بالنسبة لجزء كبير من الأساطيل.
المستوى الثالث (الإغلاق العسكري الشامل):
أي محاولة لمنع معظم أو كل السفن من المرور بالصواريخ والمسيرات والزوارق والألغام والتهديد المباشر
وهذا المستوى قد يحول الأزمة من نزاع يمني وإقليمي إلى أزمة أمن دولي ومواجهة بحرية واسعة.
والتحذير الأمريكي للملاحة لعام 2026 يوضح تنوع الأخطار المحتملة في المنطقة من الصواريخ الباليستية والجوالة والمسيرات الجوية والسطحية وتحت الماء إلى محاولات الصعود على السفن والاستيلاء عليها.
– لماذا عاد باب المندب إلى قلب الأزمة في سبتمبر 2026؟
الوضع الآن أكثر خطورة لأن الصراع لم يعد مقتصرا على هجمات متفرقة ضد السفن
فخلال الأسابيع الأخيرة تصاعدت المعارك البرية في غرب اليمن وتركز الاهتمام على تعز والساحل الغربي والمخا والمناطق المؤدية إلى باب المندب وتشير تقارير 4 و5 سبتمبر إلى محاولة الحوثيين تحقيق تقدم باتجاه مناطق استراتيجية قريبة من المضيق في مقابل جهود القوات الحكومية لمنع تغيير الخريطة العسكرية للساحل الغربي.
وهنا تظهر نقطة استراتيجية شديدة الأهمية:
(المشكلة لم تعد فقط: هل يستطيع الحوثيون إطلاق صاروخ على سفينة؟
بل أصبحت:
هل يستطيع الحوثيون تحسين وضعهم الجغرافي والعسكري على الساحل بما يمنحهم قدرة أكبر على التحكم في البيئة الأمنية المحيطة بباب المندب؟)
وهذا تحول نوعي.
– السيناريو الأخطر — (تزامن أزمة باب المندب مع أزمة هرمز)
هذه في تقديري أهم نقطة في الملف كله
فالعالم يستطيع امتصاص أزمة في باب المندب منفردة بدرجة معينة
ويستطيع التعامل بتكلفة ضخمة مع أزمة في هرمز ،
لكن تزامن اضطراب هرمز وباب المندب يخلق مشكلة مختلفة تماما
فبيانات 4 سبتمبر 2026 تشير أصلا إلى انخفاض حركة السفن في مضيق هرمز بالتزامن مع تراجع الحركة عبر باب المندب.
وهذا يضع تجارة الطاقة أمام «كماشة بحرية»:
هرمز شرقا و باب المندب غربا
فإذا تعطل هرمز تتضرر صادرات الخليج
وإذا تعطل باب المندب تتعقد قدرة جزء كبير من تلك الصادرات على الوصول سريعا غربا عبر البحر الأحمر والسويس
وإذا تعطلا معا بدرجات مرتفعة تتحول المشكلة من زيادة زمن الرحلات إلى صدمة في أمن الطاقة العالمي.
– بالنسبة إلى مصر باب المندب ليس قضية يمنية بعيدة
إنها مرتبطه ارتباطا وثيقا بها
لأن الجزء الأكبر من السفن التي تدخل البحر الأحمر من الجنوب للوصول إلى المتوسط تمر في النهاية بقناة السويس
ومن ثم:
(باب المندب هو البوابة الجنوبية غير الرسمية لقناة السويس).
وقد أثبتت أزمة البحر الأحمر بالفعل هذه العلاقة ، فاضطراب الملاحة دفع أعدادا كبيرة من السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح ويؤكد مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أن تحويل السفن حول أفريقيا يزيد زمن الرحلة والوقود والتأمين والانبعاثات والتكاليف
ومع ذلك توجد حاليا علامات تعاف نسبي فقد سجلت حركة قناة السويس في أواخر أغسطس 2026 مستويات أفضل مقارنة بعام 2025 لكنها بقيت وفق Lloyd’s Intelligence نحو 36% دون المستوى الطبيعي.
– ماذا يحدث لمصر إذا أغلق باب المندب بالكامل؟
ـ (أول ضربة ستكون إيرادات قناة السويس)
ـ الثانية (ستصيب الموانئ والخدمات البحرية والتموين والإصلاح والخدمات اللوجستية المرتبطة بالطريق).
ـ الثالثة (ستكون ارتفاع تكاليف الواردات المصرية القادمة بحرا من آسيا).
ـ الرابعة (ارتفاع تكاليف بعض الصادرات المصرية إلى الأسواق الآسيوية).
ـ الخامسة (زيادة الضغوط التضخمية إذا ارتفعت تكاليف الطاقة والنقل والتأمين)
لذلك فالقاهرة لديها مصلحة استراتيجية واضحة في أن يبقى باب المندب مفتوحا ولكنها في الوقت نفسه تحاول تجنب تحول البحر الأحمر إلى ساحة مواجهة دولية مفتوحة.
– لماذا لا تستطيع مصر التعامل مع باب المندب كملف اقتصادي فقط؟
هناك ثلاثة مستويات مرتبطة بالمضيق:
ـ الأمن الاقتصادي: (قناة السويس).
ـ الأمن البحري: (البحر الأحمر).
ـ (الأمن الجيوسياسي: (منع تحول المداخل الجنوبية للبحر الأحمر إلى منطقة سيطرة حصرية لقوة معادية أو قوة إقليمية غير عربية).
ولهذا فإن أسوأ سيناريو استراتيجي لمصر ليس مجرد توقف السفن أياما
بل أن تصبح حرية المرور في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر ورقة تفاوض أو ابتزاز سياسي مستمرة.
– الموقف السعودي
السعودية من أكثر الدول حساسية تجاه التطورات الحالية
فالتهديدات الحوثية في يوليو 2026 تطورت إلى إعلان ما وصف بأنه حظر بحري يستهدف المملكة وهو ما أدانه الاتحاد الأوروبي ووصفه بأنه تهديد مباشر للاستقرار الإقليمي وحرية الملاحة.
السعودية لديها ساحل طويل على البحر الأحمر وموانئ ومنشآت نفطية مهمة
لكن لديها ميزة استراتيجية مهمة للغاية:
(خط أنابيب شرق–غرب)
فهو يسمح بنقل جزء من النفط من المنطقة الشرقية إلى ساحل البحر الأحمر وبالتالي تقليل الاعتماد المباشر على هرمز
لكن هنا تظهر المفارقة:
(إذا كانت الرياض تستخدم البحر الأحمر كبديل لهرمز ثم أصبح باب المندب نفسه مهددا فانه ستتراجع قيمة هذا البديل بالنسبة للشحن المتجه جنوبا أو عبر المسارات المرتبطة بالمضيق
وهذا يفسر لماذا تنظر السعودية إلى سيطرة الحوثيين على الساحل الغربي اليمني باعتبارها مسألة أمن قومي.
– الإمارات تنظر إلى باب المندب من منظورين:
أولا( حرية الملاحة والتجارة العالمية)
وثانيا (أمن جنوب اليمن والساحل والموانئ)
لذلك فإن أي توسع حوثي باتجاه المخا وباب المندب يغير ميزان القوى في اليمن ويؤثر في المصالح الإماراتية
كما أن دبي والفجيرة وموانئ الإمارات مرتبطة بشبكات التجارة العالمية وأي اضطراب طويل للمسار بين آسيا وأوروبا يعيد تشكيل خطوط الشحن ومراكز إعادة التصدير.
– سلطنة عمان (الموقف المختلف)
وهنا تظهر واحدة من أهم حالات الاختلاف الخليجي
فسلطنة عمان لا تعتمد عادة النهج نفسه القائم على المواجهة العسكرية المباشرة ،
السياسة العمانية تميل إلى الوساطة والحياد البناء وإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع إيران والحوثيين والسعودية والولايات المتحدة.
وفي سبتمبر 2026 أعاد وزير الخارجية العماني التأكيد على مركزية الدبلوماسية والقانون الدولي والحلول السلمية للأزمات الإقليمية
ولذلك يمكن تلخيص الموقف العماني في:
(نعم لحرية الملاحة .. لا لتحويل حماية الملاحة إلى حرب إقليمية أوسع)
وهذا يختلف نسبيا عن المقاربات الأكثر تشددا.
– اليمن (المستفيد والخاسر في الوقت نفسه)
اليمن هو مركز الأزمة لكنه أيضا سيكون أحد أكبر ضحايا إغلاق المضيق
فالحوثيين قد ينظرون إلى باب المندب باعتباره ورقة ردع استراتيجية
لكن اليمن يعتمد على استيراد كميات كبيرة من الغذاء والوقود والمواد الأساسية
وأي تصعيد بحري كبير يعني:
(ارتفاع تكاليف التأمين و
ارتفاع أسعار الغذاء و
تراجع تدفق المساعدات و
تعطل الموانئ و
ارتفاع أسعار الوقود و
تفاقم الوضع الإنساني
وبالتالي توجد مفارقة:
(السلاح الذي يمنح الحوثيين نفوذا استراتيجيا يمكن أن يفرض تكاليف هائلة على اليمنيين أنفسهم.
– الموقف الحوثي
(الموقف الحوثي يقوم على تحويل الجغرافيا اليمنية إلى عنصر ردع).
وقد استخدم الحوثيون منذ 2023 الربط بين عملياتهم البحرية والحرب في غزة وإسرائيل ثم توسعت دائرة التهديدات في 2026 مع التوتر السعودي والإيراني والأمريكي.
وفي يونيو 2026 أعلن الحوثيون حظرا على الملاحة المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر.
وفي يوليو ظهرت تهديدات بإجراءات تستهدف السعودية أيضا
وهذا تطور شديد الخطورة لأنه ينقل مفهوم «الحظر» من استهداف إسرائيل إلى إمكانية استخدام المضيق في صراعات إقليمية أخرى.
– إيران
(إيران هي الطرف الإقليمي الذي يستفيد استراتيجيا من امتلاك حلفائها القدرة على تهديد الملاحة دون أن تضطر هي بالضرورة إلى إغلاق المضيق بنفسها).
والتصور الاستراتيجي المحتمل يصبح:
إيران ( هرمز).
الحوثيون ( باب المندب)
وبالتالي يمتلك المحور الإيراني نظريا وسائل ضغط على مدخلين شديدي الأهمية لتجارة الطاقة
لكن استخدام هذه الأوراق إلى أقصى حد ينطوي على مخاطرة ضخمة لطهران لأنه قد يدفع الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج إلى تشكيل تحالف أوسع ضدها.
– الأردن
(الأردن أقل تعرضا من مصر والسعودية لكنه يعتمد على ميناء العقبة منفذا بحريا أساسيا)
وأي اضطراب طويل في البحر الأحمر وباب المندب يزيد تكلفة الواردات والصادرات المرتبطة بالعقبة
كما أن اضطراب إمدادات الطاقة عبر البحر الأحمر يمكن أن يؤثر في أمن الطاقة الأردني.
– السودان وجيبوتي وإريتريا والصومال
(هذه الدول تتحول فجأة من أطراف جغرافية إلى دول استراتيجية).
جيبوتي تحديدا تقع على الجانب الأفريقي المقابل لباب المندب وتستضيف وجودا عسكريا لقوى دولية متعددة.
أما إريتريا والسودان فلهما سواحل طويلة على البحر الأحمر.
والصومال يقع على الطريق الخارج من خليج عدن.
لذلك فإن إغلاق باب المندب قد يؤدي إلى:
(زيادة الوجود العسكري الدولي في القرن الأفريقي و
ارتفاع أهمية القواعد العسكرية و
زيادة مخاطر القرصنة و
زيادة المنافسة الأمريكية–الصينية و
وتزايد القيمة الاستراتيجية للموانئ الأفريقية.
– أوروبا من أكبر الخاسرين
(أوروبا تعتمد بشدة على الطريق البحري بين آسيا والبحر المتوسط).
الإغلاق يعني أن السفن القادمة من الصين واليابان وكوريا والهند وجنوب شرق آسيا ستضطر إلى الالتفاف حول أفريقيا
والنتيجة:
زيادة مدة الرحلات و
زيادة استهلاك الوقود و
زيادة تكلفة الحاويات و
ارتفاع التأمين و
تأخر مكونات المصانع و
الضغط على سلاسل توريد السيارات والإلكترونيات والملابس والكيماويات.
ويشير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى أن تحويل سفينة حاويات ضخمة حول رأس الرجاء الصالح يمكن أن يضيف وحده نحو 400 ألف دولار من تكاليف الانبعاثات تحت نظام الاتحاد الأوروبي فضلا عن الوقود والوقت والتشغيل.
– الموقف الأوروبي
(الاتحاد الأوروبي اتخذ موقفا واضحا:
باب المندب والبحر الأحمر يجب أن يظلا مفتوحين).
ولهذا تستمر عملية ASPIDES البحرية الأوروبية
وقد مدد مجلس الاتحاد الأوروبي مهمتها حتى 28 فبراير 2027 بميزانية مشتركة تقارب 15 مليون يورو للفترة الجديدة.
ـ مجلس الاتحاد الأوروبي
في 29 أغسطس أكد أن سفنا تجارية ما زالت تعبر البحر الأحمر بدعم من العملية الأوروبية.
إذن الموقف الأوروبي ليس مجرد إدانة سياسية وإنما يوجد حضور بحري دفاعي فعلي.
– (بريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان وألمانيا
درجة الضرر تختلف).
الدول المتوسطية مثل إيطاليا واليونان وفرنسا أكثر حساسية لمسار السويس بسبب موانئها واتصالها المباشر بالتجارة القادمة عبر المتوسط.
ألمانيا تتضرر بدرجة كبيرة صناعيا لأن اقتصادها يعتمد على سلاسل إمداد دولية ومكونات آسيوية.
وبريطانيا لديها مصالح تجارية وعسكرية في حرية الملاحة
ولهذا توجد مصلحة أوروبية مشتركة رغم الاختلاف السياسي في منع الإغلاق.
– الولايات المتحدة
(الموقف الأمريكي يقوم أساسا على أن حرية الملاحة في المضائق الدولية لا ينبغي أن تخضع للابتزاز العسكري).
ـ تحذيرات البحرية الأمريكية لعام 2026 تعتبر المنطقة الممتدة من البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن منطقة تهديد مستمر للسفن ذات الارتباط الأمريكي وغيره
فإذا وقع إغلاق شامل فمن المرجح أن تواجه واشنطن معضلة:
(هل تكتفي بحماية السفن؟
أم تضرب القدرات التي تستخدم لإغلاق المضيق؟)
الخيار الثاني قد يؤدي إلى حرب أوسع داخل اليمن وربما مع إيران.
– الصين (الطرف الذي يستحق مراقبة خاصة)
– الصين لديها معادلة مختلفة
هي لا تريد هيمنة أمريكية كاملة على طرق التجارة البحرية
لكنها أيضا لا تستطيع قبول تعطيل باب المندب طويلا :
لماذا؟
لأن اقتصادها يعتمد على التصدير إلى أوروبا وعلى واردات الطاقة من الشرق الأوسط
كما أن الصين لديها قاعدة عسكرية في جيبوتي
وهذا يحقق مفارقة استراتيجية:
(قد تختلف بكين مع واشنطن في ملفات عديدة لكنها تشترك معها في مصلحة أساسية:
بقاء الممرات البحرية مفتوحة).
– الهند
(الهند من الدول المتضررة بشدة إذا طال الإغلاق).
صادراتها إلى أوروبا تمر عبر البحر العربي وباب المندب والبحر الأحمر والسويس و
التحويل حول رأس الرجاء الصالح يزيد زمن الشحن ويضعف تنافسية المنتجات الهندية في أوروبا
كما تتأثر واردات وصادرات الطاقة والمنتجات البترولية.
– اليابان وكوريا الجنوبية
(اقتصاد الدولتين يعتمد بدرجة عالية على التجارة البحرية).
لذلك ارتفاع تكاليف النقل بين آسيا وأوروبا ينعكس على الصناعات الإلكترونية والسيارات والبتروكيماويات
وقد لا تكون طوكيو وسيول طرفين عسكريين رئيسيين في الأزمة لكنهما ستكونان من الأطراف الاقتصادية المتضررة.
– روسيا (الموقف الأكثر تعقيدا)
– روسيا حالة مختلفة
فبيانات الطاقة الأمريكية تشير إلى أن روسيا كانت في النصف الأول من 2025 أكبر ناقل للنفط الخام والمكثفات عبر السويس وباب المندب مع تحول كميات كبيرة من النفط الروسي نحو آسيا بعد حرب أوكرانيا ،
إذن روسيا ليست مستفيدة اقتصاديا بصورة مطلقة من إغلاق باب المندب.
لكن سياسيا قد تستفيد موسكو من أي أزمة تزيد الضغط على أوروبا والولايات المتحدة
وبالتالي لديها مصلحتان متعارضتان:
(مصلحة تجارية في فتح الممر
ومصلحة جيوسياسية في استنزاف الغرب)
وهذه إحدى أهم التناقضات في الملف.
– الدول الأفريقية
(هناك تصور خاطئ بأن الالتفاف حول أفريقيا يعني استفادة أفريقيا).
الحقيقة أكثر تعقيدا.
فبعض الموانئ في جنوب وشرق وغرب أفريقيا قد تستفيد من خدمات التموين والصيانة
لكن معظم الاقتصادات الأفريقية المستوردة للوقود والغذاء ستتضرر من ارتفاع أسعار النقل والطاقة
وفي أغسطس 2026 ظهرت بالفعل تحولات كبيرة في تجارة الديزل إذ قفزت صادرات الديزل الآسيوية إلى أفريقيا لتعويض تراجع إمدادات الشرق الأوسط وسط اضطرابات المنطقة.
– ماذا سيحدث لأسعار النفط؟
الإغلاق الكامل لا يعني بالضرورة اختفاء ملايين البراميل فورا لأن بعض النفط يمكن إعادة توجيهه
لكن إعادة التوجيه تحتاج إلى:
(سفن إضافية و
رحلات أطول و
وقود أكبر و
تكاليف تأمين أعلى و
قدرات موانئ إضافية
ولذلك ستظهر أول صدمة في علاوة المخاطر على النفط
ثم إذا طال الإغلاق تبدأ المشكلة المادية في الإمدادات.
– الغاز الطبيعي المسال
(هنا توجد نقطة مهمة):
تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبر باب المندب كانت قد أصبحت بالفعل قريبة من الصفر في 2024 والنصف الأول من 2025 بسبب المخاطر الأمنية وارتفاع التأمين
وهذا يعني أن سوق الغاز سبق النفط في التكيف مع الأزمة
لكن أي إغلاق كامل بالتزامن مع اضطراب هرمز سيكون أخطر كثيرا لأن قطر مثلا أحد أهم مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم.
– قناة السويس ورأس الرجاء الصالح
البديل الأساسي هو:
( باب المندب )
( البحر الأحمر )
(قناة السويس) عمليا لبعض الرحلات
فتصبح الرحلة:
(المحيط الهندي ـ جنوب أفريقيا ـ رأس الرجاء الصالح ـ المحيط الأطلسي ـ أوروبا
وهذا المسار أطول وأكثر تكلفة.
وقد ارتفعت تدفقات النفط حول رأس الرجاء الصالح بالفعل بصورة كبيرة بعد بدء أزمة البحر الأحمر.
– من المستفيد؟
لا يوجد مستفيد مطلق و لكن توجد استفادات نسبية.
– جنوب أفريقيا وبعض الموانئ الأفريقية: (خدمات السفن).
– شركات ناقلات معينة: (ارتفاع الطلب على السفن بسبب زيادة المسافة).
– منتجو النفط خارج الخليج قد يستفيدون من ارتفاع الأسعار.
– الولايات المتحدة: صادرات الغاز الطبيعي المسال والنفط الأمريكية تصبح أكثر تنافسية في بعض الأسواق الأوروبية إذا تعقدت الإمدادات الشرق أوسطية.
– روسيا
(قد تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة
رغم تضرر بعض مسارات تجارتها).
– أين يقع الخلاف الحقيقي؟
الخلاف الدولي ليس أساسا حول ما إذا كان يجب أن يبقى باب المندب مفتوحا
فهناك شبه إجماع دولي على ذلك
الخلاف هو:
(كيف يبقى مفتوحا؟
أمريكا وبعض القوى تميل إلى الردع العسكري بينما
الاتحاد الأوروبي يجمع بين الحماية البحرية والدعوة إلى خفض التصعيد و
عمان تفضل الحل الدبلوماسي و
السعودية تريد منع الحوثيين من امتلاك القدرة على ابتزاز تجارتها و
إيران تريد الاحتفاظ بأوراق الردع الإقليمية و
الحوثيون يريدون تحويل قدرتهم البحرية إلى نفوذ سياسي
وهذه هي العقدة الأساسية.
– هل إغلاق المضيق قانوني؟
من منظور القانون البحري الدولي المضائق المستخدمة للملاحة الدولية تتمتع بنظام خاص لمرور السفن
وقد أكد مجلس المنظمة البحرية الدولية في 2026 أن حق المرور عبر المضائق المستخدمة للملاحة الدولية لا ينبغي تهديده أو إعاقته أو تعليقه
كما أدانت المنظمة سابقا الهجمات على السفن في البحر الأحمر باعتبارها تهديدا لحرية الملاحة والتجارة الدولية.
وفي يوليو 2026 وصف الأمين العام للمنظمة تجدد الهجمات بأنها تهدد البحارة وسلاسل التوريد والاستقرار البحري.
السيناريوهات الأربعة القادمة
– السيناريو الأول وهو الأرجح: (التهديد دون الإغلاق الشامل)
حيث سيستمر الحوثيون في استخدام تهديد الملاحة بصورة انتقائية و
تستمر بعض السفن في المرور في حين
تختار أخرى رأس الرجاء الصالح و
تبقى تكاليف التأمين مرتفعة
وتستمر قناة السويس في تعاف بطيء ومتذبذب.
– السيناريو الثاني : (إغلاق جزئي)
ستتعرض سفن لهجمات متكررة فتنسحب شركات شحن كبرى
وهنا يصبح المضيق مفتوحا عسكريا لكنه شبه مغلق .
– السيناريو الثالث : (إغلاق شامل لفترة قصيرة)
إذا جرت محاولة فعلية لمنع معظم الملاحة فمن المرجح أن يتحرك تحالف بحري دولي بسرعة
لكن إعادة فتح الطريق بالقوة يمكن أن تؤدي إلى ضربات واسعة داخل اليمن.
السيناريو الرابع وهو السيناريو الكارثي
(غلق باب المندب و هرمز في الوقت نفسه).
هذا هو السيناريو الذي يجب أن تراقبه مصر والخليج وأوروبا
لأنه قد يضرب في الوقت نفسه
النفط والغاز و
قناة السويس و
التجارة (الآسيوية–الأوروبية) و
اقتصادات الخليج و
التأمين البحري وسلاسل الغذاء
وزيادة معدلات التضخم العالمية.
– ما هو غير المتوقع؟
أرى أن هناك خمسة تطورات غير متوقعة ينبغي مراقبتها:
الأول:
(أن تتحول المعركة البرية الحالية في غرب اليمن إلى معركة فعلية على النفوذ حول المضيق).
الثاني:
(أن ينتقل الحوثيون من الحظر المرتبط بإسرائيل إلى استخدام الحظر ضد دول عربية كما ظهر في التهديدات المتعلقة بالسعودية).
الثالث:
(أن تتزامن أزمة باب المندب مع اضطرابات هرمز).
الرابع:
(أن تضطر الصين إلى لعب دور أمني بحري أكبر رغم رغبتها التقليدية في تجنب الانخراط العسكري المباشر في صراعات المنطقة).
الخامس والأخطر:
(أن يصبح من يملك القدرة على تعطيل المضيق أهم من من يسيطر عليه جغرافيا ).
وهذا تحول في مفهوم السيطرة البحرية نفسه.

