كتب الدكتور طارق عبد العزيز فرج خبير الصراعات النووية مقالا عن الحرب النووية الباردة الجديدة.. الصين تبني وروسيا تصدر وأمريكا تحاول استعادة العرش.
عندما نسمع عبارة «سباق نووي» يذهب التفكير مباشرة إلى القنابل النووية والصواريخ العابرة للقارات ومن يمتلك أكبر عدد من الرؤوس النووية.
لكن هناك سباقا آخر يجري الآن في العالم ربما لا يسمع عنه رجل الشارع كثيرا ، رغم أن تأثيره قد يستمر لعشرات السنين ،
إنه سباق بناء المفاعلات النووية.
والقضية هنا ليست مجرد محطة لإنتاج الكهرباء
فالدولة التي تبني لك مفاعلا نوويا لا تبيعك مبنى وبعض المعدات ثم ترحل
هي تدخل معك في علاقة قد تستمر ستين أو ثمانين عاما وربما أكثر تشمل
(وقود نووي وصيانة وقطع غيار وتدريب مهندسين وخدمات فنية وإدارة للوقود المستهلك وأحيانا تمويل بمليارات الدولارات
بمعنى أبسط:
من يبني المفاعل اليوم قد يظل شريكا للدولة حتى نهاية القرن
ولهذا أرى أن ما يحدث بين الولايات المتحدة وروسيا والصين ليس مجرد منافسة تجارية على بيع المفاعلات
إنها حرب نووية باردة جديدة ولكن بأدوات مختلفة.
والسؤال:
من سيقود الصناعة النووية العالمية خلال الثلاثين عاما المقبلة؟
هل هي أمريكا صاحبة الأسطول النووي العملاق؟
أم روسيا التي نجحت في تصدير مفاعلاتها إلى دول عديدة؟
أم الصين التي تبني الآن بسرعة يصعب تجاهلها؟
أولا: الصين.. تبني قبل أن تتحدث
إذا أردنا أن نعرف إلى أين يتحرك مركز الثقل النووي في العالم فلا ننظر فقط إلى التصريحات السياسية
علينا أن ننظر إلى مواقع البناء
فبحسب بيانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية المنشورة في يوليو 2026 كان هناك 77 مفاعلا نوويا تحت الإنشاء في العالم منها 37 مفاعلا في الصين وحدها بقدرة صافية تقترب من 40 جيجاوات.
توقف قليلا أمام الرقم:
37 مفاعلا من أصل 77
أي أن قرابة نصف المفاعلات التي كانت تبنى في العالم موجودة داخل دولة واحدة هي الصين.
وتظهر بيانات الرابطة النووية العالمية في أغسطس 2026 أن الصين لديها نحو 64 مفاعلا قابلا للتشغيل إضافة إلى عشرات المفاعلات تحت الإنشاء وأخرى مخطط لها.
ماذا يعني ذلك؟
يعني أن الصين لا تريد مجرد امتلاك عدد من المحطات النووية ،
الصين تريد صناعة نووية ضخمة ومتكاملة
وكلما بنت مفاعلا جديدا تعلمت أكثر
(المصانع تكتسب الخبرة ،
المهندسون يكتسبون الخبرة ،
العمال يصبحون أسرع ،
سلسلة التوريد تصبح أقوى
والتكلفة يمكن أن تنخفض مع تكرار البناء
وهذه نقطة مهمة جدا في الصناعة النووية:
(من يبني مرة يتعلم ومن يبني عشر مرات يصبح أقوى ومن يبني عشرات المرات يستطيع أن ينافس العالم.
وخلال 2026 شهد البرنامج الصيني خطوات جديدة في وحدات مثل Taipingling وSan’ao وChangjiang، مع استمرار بدء مشروعات ووحدات أخرى.
(هوالونغ وان.. بطاقة الصين لدخول الأسواق)
من أهم أوراق الصين مفاعل Hualong One – هوالونغ وان
وهو مفاعل ماء مضغوط من الجيل الثالث وتدور قدرته حول ألف ميجاوات وأكثر بحسب الوحدة والتصميم
لكن أهميته ليست في قدرته فقط
فالصين تبني منه داخل أراضيها وبدأت بالفعل استخدامه خارج الصين وأبرز مثال على ذلك باكستان
وهنا يظهر الفرق بين الصين وأمريكا
فأمريكا لديها عدد كبير من الأفكار والتصميمات المتقدمة
أما الصين فتقول للمشتري:
(هذا المفاعل لم يعد مجرد رسم على الورق.. نحن نبنيه بالفعل ولدينا المصانع والمهندسون وسلسلة التوريد التي تستطيع بناء المزيد منه).
في الصناعة النووية هذه نقطة قوة هائلة
لأن الدولة التي ستدفع مليارات الدولارات لا تريد تجربة معملية.
إنها تريد مفاعلا ثبت أنه يمكن بناؤه وتشغيله.
والصين لا تراهن على المفاعلات الكبيرة وحدها
هناك المفاعلات السريعة والمفاعلات عالية الحرارة والمفاعلات المعيارية الصغيرة SMRs.
ومن أهم مشروعاتها في هذا المجال ACP100 المعروف باسم Linglong One.
إذن الصين تتحرك في أكثر من اتجاه
(المفاعلات الكبيرة والصغيرة والسريعة والوقود النووي والتخصيب وتصنيع المعدات).
الصين لا تبني محطات نووية فقط.. الصين تبني إمبراطورية صناعية نووية.
ثانيا: (أمريكا.. العملاق الذي يريد العودة)
إذا كانت الصين هي الأسرع في البناء فلا يمكن بأي حال تجاهل الولايات المتحدة
فأمريكا ما زالت تمتلك قاعدة نووية تشغيلية هائلة
وبحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية EIA كان لدى الولايات المتحدة في مارس 2026 96 مفاعلا تجاريا عاملا في 57 محطة نووية موزعة على 28 ولاية بقدرة صافية صيفية تبلغ نحو 98.4 جيجاوات.
إذن المشكلة الأمريكية ليست في الحاضر
المشكلة هي:
ماذا بعد؟
جزء كبير من الأسطول الأمريكي أصبح قديما نسبيا، ومتوسط عمر الوحدات العاملة يقترب من 44 عاما
وهنا قررت واشنطن الدخول في سباق جديد
بدلا من الاكتفاء بالمفاعلات التقليدية العملاقة و تراهن أمريكا بقوة على ما يسمى:
Advanced Reactors –) المفاعلات النووية المتقدمه
وهنا تظهر أسماء مثل:
Natrium، وXe-100، وBWRX-300، وSMR-300، وAP300، وOklo، إضافة إلى المفاعلات الدقيقة Microreactors.
الميزة الأمريكية واضحة:
(الابتكار).
هناك شركات كثيرة وأفكار كثيرة وتقنيات مختلفة و
مفاعلات تعمل بالماء وأخرى بالغاز وأخرى بالصوديوم وتصميمات تستخدم الأملاح المنصهرة وغيرها ،
لكن هنا تظهر المشكلة أيضا
(وجود عشرات الأفكار شيء وتحويل هذه الأفكار إلى مفاعلات تبنى عشرات المرات شيء آخر تماما).
Natrium.. هل بدأت العودة الأمريكية؟
في 9 مارس 2026 حدث تطور مهم عندما أصدرت هيئة الرقابة النووية الأمريكية NRC تصريح إنشاء Kemmerer Unit 1 ضمن مشروع TerraPower في ولاية وايومنغ ،
المشروع يعتمد على تقنية Natrium، وهي من أهم رهانات الجيل النووي الأمريكي الجديد
وأهمية الخطوة أنها لم تكن مجرد تصريح إداري
بالنسبة لي هي رسالة تقول:
(أمريكا تريد العودة إلى البناء) ،
فواشنطن أدركت أن امتلاك التكنولوجيا وحده لا يكفي ،
لابد أن تتحول التكنولوجيا إلى مصنع والمصنع إلى معدات والمعدات إلى مفاعل حقيقي على الأرض.
Xe-100.. المفاعل يدخل المصنع
هناك أيضا مفاعل Xe-100 الذي تطوره X-energy.
وهو مفاعل غازي عالي الحرارة تبلغ قدرة الوحدة الواحدة منه نحو 80 ميجاوات كهربائي ويمكن تجميع أربع وحدات للحصول على محطة تقارب قدرتها 320 ميجاوات.
(لماذا هذا النوع مهم)؟
لأنه لا يستهدف إنتاج الكهرباء فقط و
يمكن الاستفادة من الحرارة المرتفعة التي ينتجها في بعض العمليات الصناعية وإنتاج الهيدروجين
أي أن أمريكا تحاول تغيير مفهوم المفاعل نفسه.
المفاعل القادم ليس مجرد محطة كهرباء.. يمكن أن يصبح جزءا من المصنع.
وهناك كذلك مشروع SMR-300 بقدرة تقارب 300 ميجاوات.
إذن الولايات المتحدة تحاول بناء سوق كاملة للمفاعلات الجديدة
لكن السؤال الكبير ما زال بلا إجابة:
(هل تستطيع أمريكا أن تحول الابتكار إلى بناء سريع ومتكرر وبتكلفة تنافس الصين وروسيا)؟.
ثالثا: (روسيا.. عندما يتحول المفاعل إلى نفوذ).
روسيا لها قصة مختلفة
فهي لا تمتلك عدد المفاعلات العاملة الذي تمتلكه أمريكا ولا تبني داخل أراضيها بالسرعة الصينية
لكنها تمتلك سلاحا شديد الأهمية:
(Rosatom) – روساتوم.
روسيا فهمت مبكرا أن تصدير المفاعل النووي ليس مجرد تجارة
إنه جزء من السياسة الخارجية
(انظر إلى الخريطة
في مصر هناك (الضبعة بأربع وحدات (VVER-1200
وفي تركيا (أكويو)
وفي بنجلاديش (روبوبور)
وفي الهند (كودانكولام)
وفي الصين مشروعات روسية في (تيانوان وشوداباو).
وفي المجر (Paks II).
إذن المفاعل الروسي موجود في دول وقارات مختلفة.
لماذا تنجح روسيا؟
لأنها في كثير من الأحيان لا تقول للدولة:
(خذ المفاعل وابحث أنت عن بقية الحلول)
روسيا تستطيع أن تقدم حزمة متكاملة:
(المفاعل والإنشاء والوقود والتدريب والخدمات الفنية طويلة الأجل وترتيبات تمويل في بعض المشروعات والتعامل مع أجزاء من دورة الوقود)
وهنا تكمن القوة.
فإذا كان المفاعل سيعمل ستين عاما أو أكثر فالعلاقة لا تنتهي يوم افتتاح المحطة
ستظل هناك علاقة في الوقود والصيانة والخدمات والتحديث والتدريب.
ولذلك أقول:
(تصدير المفاعل هو في جزء منه تصدير نفوذ طويل المدى).
VVER-1200.. حصان روسيا الرابح
أحد أهم المفاعلات الروسية حاليا هو VVER-1200 من الجيل الثالث+
ونراه في الضبعة وأكويو ومشروعات أخرى ،
ميزة روسيا هنا أنها لا تعرض فكرة على الورق فقط
فهناك خبرة في بناء وتشغيل عائلة هذه المفاعلات وتكرارها في أكثر من دولة.
لذا يمكن القول أن
الصين تتفوق في سرعة وحجم البناء الداخلي
روسيا قوية في تصدير المشروع النووي المتكامل
وأمريكا تتفوق في تنوع الابتكار وتحاول استعادة قدرتها على البناء المتكرر.
رابعا: الـSMRs.. هل تغير قواعد اللعبة؟
هنا ندخل إلى معركة أخرى.
SMR تعني Small Modular Reactor، أي المفاعل المعياري الصغير.
وعادة نتحدث عن مفاعلات تصل قدرتها إلى نحو 300 ميجاوات كهربائي أو أقل لكل وحدة
لكن كلمة «صغير» ليست أهم كلمة في الاسم
الأهم هي:
Modular – معياري.
والفكرة ببساطة أن أجزاء كبيرة من المفاعل يمكن تصنيعها بصورة معيارية في المصانع ثم نقلها إلى الموقع وتركيبها
إذا نجحت هذه الفكرة اقتصاديا فقد تغير جزءا مهما من سوق الطاقة النووية ،
فليست كل دولة تستطيع أن تضع على شبكتها مفاعلا قدرته 1200 أو 1600 ميجاوات
لكن ربما تستطيع أن تبدأ بـ100 أو 300 ميجاوات ثم تضيف وحدات أخرى بعد ذلك ،
كما يمكن استخدام بعض هذه المفاعلات في الكهرباء وتحلية المياه والصناعة وإنتاج الهيدروجين وخدمة المناطق البعيدة.
والسؤال:
(من يكسب معركة المفاعلات الصغيرة)؟
حتى الآن لا يوجد فائز نهائي
أمريكا لديها عدد كبير من التصميمات والشركات
وروسيا لديها خبرة مهمة في المفاعلات الصغيرة والبحرية والعائمة وتطور سلسلة RITM.
والصين تتقدم بمشروعات مثل ACP100.
لكن الفائز لن يكون صاحب أجمل تصميم
الفائز هو من يستطيع إثبات ثلاث كلمات:
الأمان.. الموعد.. والسعر.
(هل المفاعل آمن)؟
(هل تستطيع بناءه في الموعد)؟
(هل يستطيع إنتاج الكهرباء بتكلفة مقبولة)؟
هنا ستحسم المعركة.
خامسا: من الأقوى؟
لو سألتني الآن:
من الأقوى في التشغيل؟
أقول: الولايات المتحدة بقاعدتها النووية التشغيلية الضخمة.
من الأقوى في البناء الحالي؟
أقول: الصين.
37 مفاعلا تحت الإنشاء وفق بيانات PRIS في يوليو 2026 رقم لا يمكن المرور عليه بسهولة.
من الأقوى في تصدير مشروع نووي متكامل؟
روسيا ما زالت لاعبا شديد القوة من خلال روساتوم ومفاعلات VVER.
من الأقوى في الابتكار؟
الولايات المتحدة تمتلك بيئة تكنولوجية هائلة
لكن يجب أن ننتظر لنرى كم تصميما من هذه التصميمات سيتحول فعلا إلى مفاعل تجاري يتكرر بناؤه
ومن يمكن أن يغير ميزان القوى بحلول 2040؟
هنا أضع الصين في مقدمة المرشحين.
لماذا؟
(لأنها تجمع بين أربعة أشياء:
السوق.. والبناء.. والتصنيع.. والتمويل.
سادسا: لماذا لا يمكن استبعاد روسيا؟
لأن روسيا تمتلك شيئا شديد الأهمية:
(السلسلة النووية المتكاملة)
فالصناعة النووية ليست مفاعلا فقط
هناك اليورانيوم
ثم التحويل
ثم التخصيب
ثم تصنيع الوقود
ثم تصميم المفاعل
ثم البناء والتشغيل والصيانة
ثم الوقود المستهلك
ثم التدريب والخدمات الفنية).
وكلما امتلكت الدولة عددا أكبر من حلقات هذه السلسلة أصبحت أقوى
لذلك فإن تقييم روساتوم بعدد المفاعلات الموجودة داخل روسيا فقط سيكون خطأ
نحن أمام منظومة صناعية نووية دولية.
سابعا: لماذا استيقظت أمريكا؟
لأن واشنطن اكتشفت أن خسارة صناعة المفاعلات ليست خسارة اقتصادية فقط
إنها خسارة استراتيجية ،
إذا خسرت عقد المفاعل فقد تخسر معه الوقود والخدمات والتدريب وقطع الغيار وعقودا تمتد لعشرات السنين
وقد تخسر أيضا جزءا من نفوذك لدى الدولة التي اشترت التكنولوجيا من منافسك.
أمريكا التي كانت في قلب نشأة الصناعة النووية التجارية الحديثة عانت لعقود من ضعف بناء المفاعلات الجديدة على أراضيها
ثم جاءت وحدتا Vogtle-3 وVogtle-4 لتذكرا بأن أمريكا ما زالت تستطيع البناء لكن التكلفة والوقت أثارا أسئلة كبيرة
ولهذا عادت الطاقة النووية اليوم إلى قلب التفكير الصناعي والأمني الأمريكي.
ثامنا: (رقم يلخص حجم المعركة)
بحسب بيانات الرابطة النووية العالمية في أغسطس 2026 يوجد عالميا نحو 441 مفاعلا قابلا للتشغيل بقدرة تتجاوز 400 جيجاوات
وهناك عشرات المفاعلات الجديدة قيد الإنشاء
لكن الملاحظة الأهم ليست العدد فقط
انظر إلى الخريطة
فجزء كبير من البناء النووي الجديد انتقل إلى آسيا
وهذه نقطة تاريخية
فالقرن العشرون شهد ولادة الصناعة النووية أساسا في أمريكا وأوروبا والاتحاد السوفيتي السابق
، أما القرن الحادي والعشرون فقد يشهد انتقال مركز ثقل هذه الصناعة تدريجيا نحو آسيا
وفي مقدمة آسيا:
الصين.
تاسعا: (هل تصبح الصين «روسيا الجديدة» في تصدير المفاعلات)؟
ليس بعد
وهنا يجب ألا نبالغ
فالصين تمتلك أكبر برنامج بناء نووي داخلي في العالم لكنها لم تحقق حتى الآن الانتشار الخارجي الذي حققته روسيا
فروسيا بنت أو تبني مشروعات نووية في عدد كبير من الدول وفي بيئات سياسية واقتصادية مختلفة
أما الصين فما زال أمامها اختبار مهم:
(هل تستطيع تحويل نجاحها داخل الصين إلى نجاح عالمي)؟
إذا حدث ذلك فستتغير قواعد اللعبة
لأن بكين تستطيع أن تجمع التكنولوجيا والمقاول والتمويل والتصنيع مع علاقاتها الاقتصادية ومبادرة الحزام والطريق ،
وعندها لن تصبح المنافسة فقط:
(الصين ضد أمريكا
بل قد نرى منافسة شديدة أيضا بين:
الصين وروسيا على أسواق المفاعلات في العالم).
عاشرا: (هل تقضي المفاعلات الصغيرة على المفاعلات العملاقة)؟.
لا أعتقد.
الأرجح أننا سنرى السوقين معا.
الدولة التي تمتلك شبكة كهربائية ضخمة وتحتاج آلاف الميجاوات قد تفضل مفاعلات كبيرة بقدرات 1000 أو 1200 أو 1600 ميجاوات
أما الدول ذات الشبكات الأصغر أو المشروعات الصناعية الخاصة فقد تجد المفاعلات الصغيرة أكثر ملاءمة.
إذن السؤال ليس:
(المفاعل الكبير أم الصغير)؟
السؤال الصحيح:
(ما المفاعل الذي يناسب اقتصاد الدولة وشبكتها الكهربائية واحتياجاتها)؟
أحد عشر: (من سيفوز)؟
لا توجد إجابة نهائية حتى الآن
فأمريكا تمتلك التكنولوجيا ورأس المال والابتكار وأسطولا تشغيليا هائلا
وروسيا تمتلك خبرة التصدير والحزمة المتكاملة وسلسلة الوقود والخبرة في المشروعات الخارجية
والصين تمتلك السرعة والحجم والتصنيع وسوقا محلية هائلة.
لكن أكثر ما يجب مراقبته في التجربة الصينية هو أن:
(الصين تتعلم وهي تبني
كل مفاعل جديد ولا يعني فقط ألف ميجاوات إضافية
إنه مهندس اكتسب خبرة
وعامل أصبح أسرع
ومصنع طور إنتاجه
وشركة تعلمت من أخطائها
وسلسلة توريد أصبحت أقوى.
إذا استمرت الصين بهذا المعدل لسنوات أخرى فإن خريطة الصناعة النووية العالمية يمكن أن تتغير بصورة كبيرة.
(الحرب الباردة الجديدة)
العالم دخل بالفعل سباقا نوويا مدنيا جديدا.
لكنه مختلف عن سباق الحرب الباردة القديمة
هذه المرة لا نقيس القوة بعدد القنابل فقط
بل نسأل:
(كم مفاعلا تستطيع أن تبني)؟
(وفي كم سنة)؟
(وبأي تكلفة)؟
(ومن سيمول المشروع)؟
(ومن سيصنع الوقود)؟
(ومن سيقدم قطع الغيار)؟
(ومن سيظل مع الدولة بعد ستين عاما من توقيع العقد)؟
الصورة الحالية تقول:
(أمريكا ما زالت صاحبة قاعدة نووية تشغيلية هائلة)
و(روسيا ما زالت إحدى أهم القوى في تصدير المحطات النووية المتكاملة)
لكن (الصين أصبحت القوة الصاعدة التي يجب مراقبتها بدقة).
37 مفاعلا تحت الإنشاء في الصين وفق بيانات PRIS في يوليو 2026
96 مفاعلا تجاريا عاملا في الولايات المتحدة وفق بيانات EIA في مارس 2026
وروسيا تواصل مشروعاتها الخارجية من مصر وتركيا إلى المجر وبنجلاديش والهند والصين
وفي الوقت نفسه يمثل تصريح إنشاء مشروع Natrium في الولايات المتحدة في مارس 2026 إشارة مهمة إلى أن واشنطن لا تريد أن تظل مراقبا على صعود الآخرين
ولهذا فإن السؤال الذي سيشغل الصناعة النووية خلال السنوات المقبلة ليس فقط:
(من يمتلك التكنولوجيا النووية)؟
بل:
(من يستطيع أن يبنيها ويبيعها ويمولها ويكررها)؟.
وإذا كان القرن الماضي قد شهد انتقال التكنولوجيا النووية من أمريكا وأوروبا وروسيا إلى بقية العالم فقد يكون السؤال الكبير في هذا القرن:
هل يأتي يوم تصبح فيه الصين المصدر الأول للمفاعلات النووية إلى العالم؟
وإذا حدث ذلك فلن نتحدث عن الكهرباء وحدها
سنتحدث عن مئات المليارات من الدولارات
وعن مصانع وصناعات ثقيلة
وعن الوقود النووي
وعن تدريب آلاف المهندسين
وعن علاقات سياسية واقتصادية تمتد لعقود.
فالدولة التي تفوز اليوم بعقد محطة نووية قد تظل موجودة داخل قطاع الطاقة في الدولة المستوردة حتى عام 2080 وربما بعده.
ولهذا أرى أن المفاعل النووي لم يعد مجرد منشأة لإنتاج الكهرباء ،
المفاعل النووي أصبح عقد نفوذ يمتد لأجيال
وهنا تكمن حقيقة الحرب النووية الباردة الجديدة:
(الصين تبني.
روسيا تصدر.
وأمريكا تحاول استعادة العرش).
والسنوات العشر المقبلة قد تخبرنا بمن سيكون صاحب الكلمة الأقوى في الصناعة النووية العالمية.

